شرح
أحدها : أنّ عدم الحرمة الثابت قبل الشريعة يغاير في سنخه مع العدم الثابت بعدها ، فإنّ الأوّل عدم محمولي من باب السالبة بانتفاء الموضوع ، حيث لا شرع ليحكم بها أو بعدمها ، ويكون التقابل بينه وبين جعل الحرمة من تقابل السلب والإيجاب .
وأمّا الثاني فهو عدم نعتي ، أي متّصف بالانتساب إلى الشارع الأقدس ويكون التقابل بينه وبين جعلها من تقابل العدم والملكة ( 1 )( 1 ) ذكره في موارد منها ما في أجود التقريرات 2 : 190 ..
وإن شئت فقل : العدم الثابت سابقاً هو عدم الحكم بالحرمة ، والذي نروم إثباته لاحقاً هو الحكم بعدم الحرمة . ومن البيّن أنّ إثبات الثاني بالاستصحاب الجاري في الأوّل من أوضح أنحاء الأصل المثبت ، فانّ هذا نظير إثبات العمى باستصحاب عدم البصر الثابت قبل الخلقة ، حيث إنّ الثابت سابقاً عدم محمولي ، أي عدم الاتصاف بالرؤية ، فلا يثبت به العدم النعتي ، أي الاتصاف بعدم الرؤية الذي هو معنى العمى إلا على القول بحجيّة الأُصول المثبتة .
وفيه : أن الشريعة عبارة عن مجموعة أحكام منسوبة لصاحبها ومجعولة لمشرّعها . فان قلنا بأنّ الشارع هو الله سبحانه فلا شبهة في انتساب العدم إليه فهو نعتي حتى قبل بعث الرسول وأمره بنشر الأحكام ، فكان اللحم المزبور جائز الأكل آن ذاك ومتصفاً بأنّه لا حرمة له فيستصحب إلى ما بعد البعث .
وإن قلنا بأنّه النبي ( صلى الله عليه وآله ) فكذلك ، بداهة أنّ الأحكام لم تجعل دفعة واحدة ، بل كان التشريع على سبيل التدريج ، وكانت تبلَّغ شيئاً فشيئاً حسب المصالح الوقتية . إذن فلم تكن حرمة اللحم مجعولة في بدء الشريعة فكان العدم وقتئذ نعتياً بالضرورة فيستصحب .
ثانيها : أنّا نقطع بجعل حكم لذلك الحيوان في الشريعة المقدسة أما الحرمة أو الإباحة . إذن فاستصحاب عدم الحرمة معارض باستصحاب عدم الإباحة ( 2 )( 2 ) لم نعثر عليه ..