شرح
الوجه الأوّل : أن ذلك مقتضى أصالة الاشتغال ، لعدم العلم بالفراغ فيما إذا لم يبتدأ من الأعلى إلى الأسفل ، وهذا الاستدلال يبتني على أمرين :
أحدهما : أن لا يكون هناك دليل دل بإطلاقه على جواز الغسل بأية كيفية كانت لوضوح أن مع وجود الدليل الاجتهادي لا تصل النوبة إلى التمسك بالأصل .
وثانيهما : عدم جريان البراءة في الطهارات الثلاث ، بدعوى أن المأمور به فيها إنما هو تحصيل الطهارة وهو أمر معلوم ، وإنما الشك في أسبابها ومحصلاتها ، إذن فالشك في المكلف به دون التكليف ، ولا تجري معه أصالة البراءة في شيء من الطهارات .
والأمران كلاهما ممنوعان ، أما الأول فلأن الآية المباركة : * ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ) * ( 1 )( 1 ) المائدة 5 : 6 .مطلقة وقد دلتنا على وجوب غسل الوجه واليدين ولزوم مسح الرأس والرجلين من غير تقييدها الغسل بأن يبتدأ من الأعلى إلى الأسفل ، فمقتضى إطلاقها جواز النكس في الغسل .
ودعوى أن الآية بصدد التشريع وبيان أصل الحكم في الشريعة المقدسة ، وليست ناظرة إلى كيفياته وخصوصياته ، مما لا شاهد له لوضوح أنها قد وردت بصدد البيان وبيّنت حدود الغسل والمسح الواجبين ، وأنه لا بدّ من أن يكون الغسل في اليدين من المرفق ، وأن محله إنما هو في الوجه واليدين كما أن المسح في الرأس والرجلين ، وحيث لم يقيد فيها الغسل بكيفية معينة فيستفاد منها كفاية الغسل على وجه الإطلاق كما هو المدعى .
وكذلك الأخبار الواردة في كيفية وضوء النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلم ) أو بعض الأوصياء ( عليهم السلام ) كالروايات المشتملة على أنه ( عليه السلام ) دعا بماء وأخذ كفاً منه فغسل به وجهه ويديه ( 2 )( 2 ) الوسائل 1 : 387 / أبواب الوضوء ب 15 .فإنها كما ترى مطلقة وليست مقيّدة بكيفية دون كيفية ، هذا كله في الأمر الأوّل .