الجنس الرابع : الثقة الحافظ إذا حدث من حفظه وليس بفقيه ، لا يجوز عندي
الاحتجاج بخبره ، لان الحفاظ الذين رأيناهم أكثرهم كانوا يحفظون الطرق والأسانيد
دون المتون ، ولقد كنا نجالسهم برهة من دهرنا على المذاكرة ، ولا أراهم يذكرون من
متن الخبر إلا كلمة واحدة يشيرون إليها ، وما رأيت على أديم الأرض من كان يحسن
صناعة السنن ، ويحفظ الصحاح بألفاظها ، ويقوم بزيادة كل لفظة تزاد في الخبر ثقة ، حتى
كأن السنن كلها نصب ( 1 ) عينيه إلا محمد بن إسحاق بن خزيمة - رحمة الله عليه - فقط ( 2 ) .
فإذا كان الثقة الحافظ لم يكن فقها وحدث من حفظه ، فربما قلب المتن ، وغير المعنى ،
حتى يذهب الخبر عن معنى ما جاء فيه ، ويقلب إلى شئ ليس منه ، وهو لا يعلم ،
فلا يجوز عندي الاحتجاج بخبر من هذا نعته ، إلا أن يحدث من كتاب ، أو يوافق
الثقات فيما يرويه من متون الاخبار .
الجنس الخامس : الفقيه إذا حدث من حفظه ، وهو ثقة في روايته ، لا يجوز عندي
الاحتجاج بخبره ، لأنه إذا حدث من حفظه ، فالغالب عليه حفظ المتون دون الأسانيد ،
وهكذا رأينا أكثر من جالسناه من أهل الفقه ، كانوا إذا حفظوا الخبر لا يحفظون
إلا متنه ، وإذا ذكروا أول أسانيدهم يكون ( 3 ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يذكرون
بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم أحدا . فإذا حدث الفقيه ( 4 ) من حفظه فربما صحف الأسماء ،
وأقلب الأسانيد ، ورفع الموقوف ، وأوقف المرسل ، وهو لا يعلم لقلة عنايته به ، وأتى
بالمتن على وجهه ، فلا يجوز الاحتجاج بروايته إلا من كتاب ، أو يوافق الثقات في
هامش
( 1 ) في الهندية : " تصف " بدل " نصب "
( 2 ) توفى ابن خزيمة عام 311 ه وهو في تسع وثمانين سنة ونقل الذهبي في التذكرة عبارة أبى
أتم هذه فقال : " ما رأيت على وجه الأرض من يحسن صناعة السنن ويحفظ ألفاظها الصحاح وزيادات
حتى كأن السنن بين عينيه إلا محمد بن إسحاق ابن خزيمة فقط "
التذكرة 261 / 1
( 3 ) في الهندية : * إذا ذكروا أول أسانيدهم يكون "
( 4 ) في الهندية : " الثقة " بدل " الفقيه " .