بَلْ مَنْ أَكْثَرَ النَّظَرَ فِي آثَارِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّهُ أَلْقَى إلَى الْأُمَّةِ إنَّ رَبَّكُمْ الَّذِي تَعْبُدُونَهُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ .
فَوْقَ الْعَرْشِ وَفَوْقَ السَّمَوَاتِ .
وَعَلِمَ أَنَّ عَامَّةَ السَّلَفِ كَانَ هَذَا عِنْدَهُمْ مِثْلَ مَا عِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
وَأَنَّهُ لَا يُنْقَلُ عَنْ وَاحِدٍ لَفْظٌ يَدُلُّ لَا نَصّاً وَلَا ظَاهِراً عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ .
وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَوْماً مِن الدَّهْرِ إنَّ رَبَّنَا لَيْسَ فَوْقَ الْعَرْشِ أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ أَوْ أَنَّ اسْتِوَاءَهُ عَلَى الْعَرْشِ كَاسْتِوَائِهِ عَلَى الْبَحْرِ .
إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تُرَّهَاتِ الْجَهْمِيَّة وَلَا مَثَّلَ اسْتِوَاءَهُ بِاسْتِوَاءِ الْمَخْلُوقِ وَلَا أَثْبَتَ لَهُ صِفَةً تَسْتَلْزِمُ حُدُوثاً أَوْ نَقْصاً .
وَاَلَّذِي يُبَيِّنُ لَك خَطَأَ مَنْ أَطْلَقَ " الظَّاهِرَ " عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي يَلِيقُ بِالْخَلْقِ : أَنَّ الْأَلْفَاظَ " نَوْعَانِ " .
" أَحَدُهُمَا " مَا مَعْنَاهُ مُفْرَدٌ : كَلَفْظِ الْأَسَدِ وَالْحِمَارِ وَالْبَحْرِ وَالْكَلْبِ .
فَهَذِهِ إذَا قِيلَ : " أَسَدُ اللَّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ " أَوْ قِيلَ لِلْبَلِيدِ : حِمَارٌ .
أَوْ لِلْعَالِمِ أَوْ السَّخِيِّ أَوْ الْجَوَادِ مِن الخَيْلِ : بَحْرٌ .
أَوْ قِيلَ لِلْأَسَدِ : كَلْبٌ .
فَهَذَا مَجَازٌ ؛
مجموعة الفتاوى — صفحة 183
مساهمون: ابن تيمية
ص١٨٣