" الْوَجْهُ الثَّانِي " أَنْ يُقَالَ : إنْ شَمِلَهُمْ لَفْظُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ كَمَا وَصَفَهُمْ بِالشِّرْكِ : فَهَذَا مُتَوَجِّهٌ بِأَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ دَلَالَةِ اللَّفْظِ مُفْرَداً وَمَقْرُوناً ؛ فَإِذَا أُفْرِدُوا دَخَلَ فِيهِمْ أَهْلُ الْكِتَابِ وَإِذَا قُرِنُوا مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمْ يَدْخُلُوا فِيهِمْ كَمَا قِيلَ مِثْلُ هَذَا فِي اسْمِ " الْفَقِيرِ " و " الْمِسْكِينِ " وَنَحْوِ ذَلِكَ .
فَعَلَى هَذَا يُقَالُ : آيَةُ الْبَقَرَةِ عَامَّةٌ وَتِلْكَ خَاصَّةٌ .
وَالْخَاصُّ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَامِّ .
" الْوَجْهُ الثَّالِثُ " أَنْ يُقَالَ : آيَةُ الْمَائِدَةِ نَاسِخَةٌ لِآيَةِ الْبَقَرَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَائِدَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الْبَقَرَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ { الْمَائِدَةُ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولاً فَأَحِلُّوا حَلَالَهَا وَحَرِّمُوا حَرَامَهَا } وَالْآيَةُ الْمُتَأَخِّرَةُ تَنْسَخُ الْآيَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ إذَا تَعَارَضَتَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } فَإِنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ لَمَّا هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ وَأَنْزَلَ اللَّهُ " سُورَةَ الْمُمْتَحَنَةِ " وَأَمَرَ بِامْتِحَانِ الْمُهَاجِرِينَ .
وَهُوَ خِطَابٌ لِمَنْ كَانَ فِي عِصْمَتِهِ كَافِرَةٌ .
و " اللَّامُ " لِتَعْرِيفِ الْعَهْدِ وَالْكَوَافِرُ الْمَعْهُودَاتُ هُنَّ الْمُشْرِكَاتُ مَعَ أَنَّ الْكُفَّارَ قَدْ يُمَيِّزُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَيْضاً فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ كَقَوْلِهِ : { أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً } فَإِنَّ أَصْلَ دِينِهِمْ هُوَ الْإِيمَانُ ؛ وَلَكِنْ هُمْ
مجموعة الفتاوى — صفحة 180
مساهمون: ابن تيمية
ص١٨٠