وَاخْتُصَّ كُفَّارُهُمْ بِفَرْطِ عُدْوَانِهِ ؛ فَصَارَ ذَلِكَ مَانِعاً مِنْ قَبُولِ الْجِزْيَةِ كَمَا أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ ؛ لِلتَّغْلِيظِ ؛ وَلِمَا حَصَلَ لَهُ مِن الشَّرَفِ بِالْإِسْلَامِ السَّابِقِ .
وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ عَلَى عَرَبِيٍّ مِلْكٌ .
وَاَلَّذِينَ نَازَعُوهُ لَهُمْ قَوْلَانِ فِي جَوَازِ اسْتِرْقَاقِ مَنْ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد .
" إحْدَاهُمَا " أَنَّ الِاسْتِرْقَاقَ كَأَخْذِ الْجِزْيَةِ ؛ فَمَنْ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ لَا يُسْتَرَقُّ ؛ وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الخرقي ؛ وَالْقَاضِي وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد وَهُوَ قَوْلُ الإصطخري مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ مِنْ كُلِّ كَافِرٍ ؛ إلَّا مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَد .
فِعْلُ هَذَا لَا يُجَوِّزُ اسْتِرْقَاقَ مُشْرِكِي الْعَرَبِ ؛ لِكَوْنِ الْجِزْيَةِ لَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ ؛ وَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ مُشْرِكِي الْعَجَمِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ : إنَّ الْعَرَبَ لَا يَسْتَرِقُّونَ .
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَد أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُقْبَلُ إلَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ؛ وَالْمَجُوسِ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .
فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ أَحَدٍ مِن المُشْرِكِينَ ؛ لَا مِن العَرَبِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ .
كَاخْتِيَارِ الخرقي وَالْقَاضِي وَغَيْرِهِمَا .
وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد لَا يُمْنَعُ فِيهِ الرِّقُّ ؛ لِأَجْلِ النَّسَبِ لَكِنْ لِأَجْلِ الدَّيْنِ فَإِذَا سَبَى عَرَبِيَّةً فَأَسْلَمَتْ
مجموعة الفتاوى — صفحة 381
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٨١