لَكَانَ قَدْ أَعَادَهَا إلَى أَصْحَابِهَا ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ إذَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْكُفَّارُ ثُمَّ اسْتَنْقَذْنَاهَا وَعُرِفَ صَاحِبُهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ أُعِيدَتْ إلَيْهِ .
وَالْخَامِسُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ لَا مَنْقُولِهَا وَلَا عَقَارِهَا وَلَا إلَى أَحَدٍ مِنْ ذَرَارِيِّهِمْ وَلَوْ أَجْرَى عَلَيْهَا أَحْكَامَ غَيْرِهَا مِن العَنْوَةِ لَغَنِمَ الْمَنْقُولَاتِ وَالذُّرِّيَّةَ ؛ بَلْ الصَّوَابُ أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ إجَارَتِهَا كَوْنُهَا أَرْضَ الْمَشَاعِرِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِي اسْتِحْقَاقِ الِانْتِفَاعِ بِهَا جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ .
كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } .
فَالسَّاكِنُونَ بِهَا أَحَقُّ بِمَا احْتَاجُوا إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُمْ سَبَقُوا إلَى الْمُبَاحِ .
كَمَنْ سَبَقَ إلَى مُبَاحٍ مِنْ مَسْجِدٍ أَوْ طَرِيقٍ أَوْ سُوقٍ وَأَمَّا الْفَاضِلُ فَعَلَيْهِمْ بَذْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَهُمْ أَنْ يَبْنُوا بِهَذَا الشَّرْطِ ؛ لَكِنَّ الْعَرْصَةَ مُشْتَرَكَةٌ فِي الْأَصْلِ .
وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَنَى بَيْتاً مِنْ رِبَاطٍ أَوْ مَدْرَسَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ : لَهُ اخْتِصَاصٌ بِسُكْنِهِ وَلَيْسَ لَهُ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ .
أَوْ مَنْ بَنَى بَيْتاً فِي جنابات السَّبِيلِ أَوْ فِي دَارِ الرِّبَاطِ الَّتِي تَكُونُ بِالثُّغُورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا تَكُونُ الْأَرْضُ فِيهِ مُشْتَرَكَةَ الْمَنْفَعَةِ لِلْحَجِّ أَوْ لِلْجِهَادِ أَوْ لِلْمُرُورِ فِي الطُّرُقَاتِ أَوْ التَّعَلُّمِ ؛ أَوْ التَّعَبُّدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ .
فَإِذَا قَالَ : الْبِنَاءُ لِي قِيلَ لَهُ : وَالْعَرْصَةُ لَيْسَتْ لَك وَأَعْيَانُ الْحَجَرِ لَيْسَ لَك ؛ بَلْ لَك
مجموعة الفتاوى — صفحة 212
مساهمون: ابن تيمية
ص٢١٢