وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ بِمَا عَاقَبَ بِهِ أَهْلَ السَّيِّئَاتِ مِن الأُمَمِ ؛ كَقَوْمِ نُوحٍ ؛ وَعَادٍ ؛ وَثَمُودَ ؛ وَقَوْمِ لُوطٍ ؛ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ ؛ وَقَوْمِ فِرْعَوْنَ : فِي الدُّنْيَا .
وَأَخْبَرَ بِمَا يُعَاقِبُهُمْ بِهِ فِي الْآخِرَةِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ : { يَا قَوْمِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ } { مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ } { وَيَا قَوْمِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ } { يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } وَقَالَ تَعَالَى : { كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ } وَقَالَ : { سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ } وَقَالَ : { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } وَقَالَ : { فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ } .
إلَى قَوْلِهِ : { يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إنَّا مُنْتَقِمُونَ } .
وَلِهَذَا يَذْكُرُ اللَّهُ فِي عَامَّةِ سُوَرِ الْإِنْذَارِ مَا عَاقَبَ بِهِ أَهْلَ السَّيِّئَاتِ فِي الدُّنْيَا وَمَا أَعَدَّهُ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَقَدْ يَذْكُرُ فِي السُّورَةِ وَعْدَ الْآخِرَةِ فَقَطْ ؛ إذْ عَذَابُ الْآخِرَةِ أَعْظَمُ ؛ وَثَوَابُهَا أَعْظَمُ ؛ وَهِيَ دَارُ الْقَرَارِ .
وَإِنَّمَا يَذْكُرُ مَا يَذْكُرُهُ مِن الثَّوَابِ وَالْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا تَبَعاً ؛ كَقَوْلِهِ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ : { وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } { وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } وَقَالَ : { فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 139
مساهمون: ابن تيمية
ص١٣٩