كَمَا قَالَ فِي الْقِسْمِ الْآخَرِ : { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ } { لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ } { فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ } وَقَالَ تَعَالَى { وَوَهَبْنَا لَهُ إسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ } { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ } .
وَإِذَا كَانَ الْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ وَاجِباً وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلسُّكُونِ وَالْخُشُوعِ .
فَمَنْ نَقَرَ نَقْرَ الْغُرَابِ لَمْ يَخْشَعْ فِي سُجُودِهِ .
وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ .
مِن الرُّكُوعِ وَيَسْتَقِرَّ قَبْلَ أَنْ يَنْخَفِضَ لَمْ يَسْكُنْ لِأَنَّ السُّكُونَ هُوَ الطُّمَأْنِينَةُ بِعَيْنِهَا .
فَمَنْ لَمْ يَطْمَئِنَّ لَمْ يَسْكُنْ وَمَنْ لَمْ يَسْكُنْ لَمْ يَخْشَعْ فِي رُكُوعِهِ وَلَا فِي سُجُودِهِ .
وَمَنْ لَمْ يَخْشَعْ كَانَ آثِماً عَاصِياً وَهُوَ الَّذِي بَيَّنَّاهُ .
وَيَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَعَّدَ تَارِكِيهِ كَاَلَّذِي يَرْفَعُ بَصَرَهُ إلَى السَّمَاءِ فَإِنَّهُ حَرَكَتُهُ وَرَفْعُهُ وَهُوَ ضِدُّ حَالِ الْخَاشِعِ .
فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ فِي صَلَاتِهِمْ ؟ فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ .
فَقَالَ لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ } وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : { دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ وَفِيهِ نَاسٌ يُصَلُّونَ رَافِعِي أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ .
فَقَالَ : لَيَنْتَهِيَنَّ رِجَالٌ يَشْخَصُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ أَوْ لَا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ أَبْصَارُهُمْ }
مجموعة الفتاوى — صفحة 558
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٥٨