وقال - عزّ من قائل - منذرا عباده عامّة : «
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ
» « 1 » ، إذ ليس المراد بملاقاته هنا رؤيته - جلّ وعلا - قطعا ؛ لشمول الخطاب في الآية لكلّ برّ وفاجر ، وكلّ مؤمن وكافر ، وكذلك قوله تعالى : «
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ
» « 2 » فإنّ الخطاب هنا موجّه لكلّيّ الإنسان باعتبار أفراده ، سواء في ذلك من أوتي كتابه بيمينه ، ومن أوتي كتابه وراء ظهره .
وعن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم : « من حلف يمينا ؛ ليقطع بها مال امرئ مسلم ، لقي اللّه وهو عليه غضبان » « 3 » فليس المراد من لقاء اللّه هنا ، إلّا موت هذا الأثيم ، وغضب اللّه تعالى محيط به .
أمّا قولهم : « إنّ الملاقاة تستلزم الرؤية » فمنقوض بقول الأعمى : لقيت الملك ، إذا لم يحجب عنه ، فإذا حجب الإنسان يقول : لم ألقه ، وإن رآه من نافذ أو عن بعد .
على أنّ اللقاء كثيرا مّا يحصل مع امتناع الرؤية ، كما في قولهم : لقينا شدّة ورخاء ، ولقينا عافية وبلاء ، وفي التنزيل : «
لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً
» « 4 » ( 1 ) . ويقال : التقت الأنهر والتقى الطريقان . وفي التنزيل «
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ
» « 5 » . نعم ، إنّما تكون الرؤية لازمة للّقاء إذا كان الملتقيان جسمين ، وكان أحدهما أو كلاهما من اولي الأبصار ، لكن لقاء اللّه - عزّ وجلّ - على هذا الوجه من المستحيلات العقليّة الأوّليّة إجماعا ، وقولا
شرح
( 1 ) ويقال في الدعاء : « لقاك اللّه ما تحبّ » لا يراد به أن يرى بعينيه شيئا ، وإنّما يراد لقاء ما يسرّه .
هامش
( 1 ) - . البقرة 223 : 2 .
( 2 ) - . الانشقاق 6 : 84 .
( 3 ) - . الأمالي للطوسي : 358 ، المجلس 12 ، ح 743 بتفاوت يسير ؛ إحياء علوم الدين 136 : 3 .
( 4 ) - . الكهف 62 : 18 .
( 5 ) - . الرحمن 19 : 55 .