سُورَةِ الرَّحْمَنِ خِطَابُهُ بِذَلِكَ بَعْدَ كُلِّ آيَةٍ لَمْ يَذْكُرْ مُتَوَالِياً .
وَهَذَا النَّمَطُ أَرْفَعُ مِن الأَوَّلِ .
وَكَذَلِكَ قَصَصُ الْقُرْآنِ لَيْسَ فِيهَا تَكْرَارٌ كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُهُمْ .
و { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } لَيْسَ فِيهَا لَفْظُ تَكْرَارٍ إلَّا قَوْلُهُ { وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ } وَهُوَ مَعَ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا بِجُمْلَةِ .
وَقَدْ شَبَّهُوا مَا فِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ بِقَوْلِ الْقَائِلِ لِمَنْ أَحْسَن إلَيْهِ وَتَابَعَ عَلَيْهِ بِالْأَيَادِي وَهُوَ يُنْكِرُهَا وَيَكْفُرُهَا : أَلَمْ تَكُ فَقِيراً فَأَغْنَيْتُك ؟ أَفَتُنْكِرُ هَذَا ؟ أَلَمْ تَكُ عريانا فَكَسَوْتُك ؟ أَفَتُنْكِرُ هَذَا ؟ أَلَمْ تَكُ خَامِلاً فَعَرَّفْتُك ؟ وَنَحْوُ ذَلِكَ .
وَهَذَا أَقْرَبُ مِن التَّكْرَارِ الْمُتَوَالِي كَمَا فِي الْيَمِينِ الْمُكَرَّرَةِ .
وَكَذَلِكَ مَا يَقُولُهُ بَعْضُهُمْ إنَّهُ قَدْ يَعْطِفُ الشَّيْءَ لِمُجَرَّدِ تَغَايُرِ اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ : فَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِباً وَمَيْنَا فَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ هَذَا شَيْءٌ .
وَلَا يَذْكُرُ فِيهِ لَفْظاً زَائِداً إلَّا لِمَعْنَى زَائِدٍ وَإِنْ كَانَ فِي ضِمْنِ ذَلِكَ التَّوْكِيدِ وَمَا يَجِيءُ مِنْ زِيَادَةِ اللَّفْظِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ } وَقَوْلِهِ { عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ } وَقَوْلِهِ { قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ } فَالْمَعْنَى مَعَ هَذَا أَزْيَدُ مِن المَعْنَى بِدُونِهِ .
فَزِيَادَةُ اللَّفْظِ لِزِيَادَةِ الْمَعْنَى وَقُوَّةُ اللَّفْظِ لِقُوَّةِ الْمَعْنَى .
وَالضَّمُّ أَقْوَى
مجموعة الفتاوى — صفحة 537
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٣٧