تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
{ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } كَمَا تَقَدَّمَ . لِأَنَّهَا لَا تُضَافُ إلَى اللَّهِ مُفْرَدَةً . بَلْ فِي الْعُمُومِ ، كَقَوْلِهِ { كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } . وَكَذَلِك الْأَسْمَاءُ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الشَّرِّ ، لَا تُذْكَرُ إلَّا مَقْرُونَةً ، كَقَوْلِنَا " الضَّارُّ النَّافِعُ ، الْمُعْطِي الْمَانِعُ ، الْمُعِزُّ الْمُذِلُّ " أَوْ مُقَيَّدَةً ، كَقَوْلِهِ { إنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ } . وَكُلُّ مَا خَلَقَهُ - مِمَّا فِيهِ شَرٌّ جُزْئِيٌّ إضَافِيٌّ - فَفِيهِ مِن الخَيْرِ الْعَامِّ وَالْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ أَضْعَافُ ذَلِك . مِثْلُ إرْسَالِ مُوسَى إلَى فِرْعَوْنَ . فَإِنَّهُ حَصَلَ بِهِ التَّكْذِيبُ وَالْهَلَاكُ لَفِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ . وَذَلِك شَرٌّ بِالْإِضَافَةِ إلَيْهِمْ . لَكِنْ حَصَلَ بِهِ - مِن النَّفْعِ الْعَامِّ لِلْخَلْقِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَالِاعْتِبَارِ بِقِصَّةِ فِرْعَوْنَ - مَا هُوَ خَيْرٌ عَامٌّ . فَانْتَفَعَ بِذَلِك أَضْعَافُ أَضْعَافُ مَنْ اسْتَضَرَّ بِهِ . كَمَا قَالَ تَعَالَى { فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ } { فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ } وَقَالَ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ قِصَّتِهِ { إنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى } . وَكَذَلِك مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَقِيَ بِرِسَالَتِهِ طَائِفَةٌ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَكُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَهُمْ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ ، وَأَهْلَكَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِسَبَبِهِ . وَلَكِنْ سَعِدَ بِهَا أَضْعَافُ أَضْعَافُ هَؤُلَاءِ . وَلِذَلِك مَنْ شَقِيَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانُوا مُبَدِّلِينَ مُحَرَّفِينَ قَبْل أَنْ
مجموعة الفتاوى — صفحة 276 | ابن تيمية