الْمُشْرِكِينَ بِالنَّارِ كَانَ هَذَا مِنْ تَمَامِ تَحْقِيقِ مُوجَبِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ وَكَانَ قَوْلُهُ : { قَائِماً بِالْقِسْطِ } تَنْبِيهاً عَلَى جَزَاءِ الْمُخْلَصِينَ وَالْمُشْرِكِينَ كَمَا فِي قَوْلِهِ : { أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } قَالَ طَائِفَةٌ مِن المُفَسِّرِينَ مِنْهُمْ البغوي نَظْمُ الْآيَةِ شَهِدَ اللَّهُ قَائِماً بِالْقِسْطِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ : { قَائِماً بِالْقِسْطِ } أَيْ بِتَدْبِيرِ الْخَلْقِ كَمَا يُقَالُ : فُلَانٌ قَائِمٌ بِأَمْرِ فُلَانٍ أَيْ يُدَبِّرُهُ وَيَتَعَاهَدُ أَسْبَابَهُ وَقَائِمٌ بِحَقِّ فُلَانٍ أَيْ مُجَازٍ لَهُ فَاَللَّهُ تَعَالَى مُدَبِّرٌ رَزَّاقٌ مُجَازٍ بِالْأَعْمَالِ .
وَإِذَا اُعْتُبِرَ الْقِسْطُ فِي الْإِلَهِيَّةِ كَانَ الْمَعْنَى : " لَا إلَهَ إلَّا هُوَ قَائِماً بِالْقِسْطِ " أَيْ هُوَ وَحْدَهُ الْإِلَهُ قَائِماً بِالْقِسْطِ فَيَكُونُ وَحْدَهُ مُسْتَحِقّاً لِلْعِبَادَةِ مَعَ كَوْنِهِ قَائِماً بِالْقِسْطِ كَمَا يُقَالُ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إلَهاً وَاحِداً أَحَداً صَمَداً وَهَذَا الْوَجْهُ أَرْجَحُ ؛ فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَأُولِي الْعِلْمِ يَشْهَدُونَ لَهُ مَعَ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَأَنَّهُ قَائِمٌ بِالْقِسْطِ .
و " الْوَجْهُ الْأَوَّلُ " لَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ قَائِماً بِالْقِسْطِ كَمَا شَهِدَ بِهِ أَبْلَغَ مِنْ كَوْنِهِ حَالَ الشَّاهِدِ وَقِيَامُهُ بِالْقِسْطِ يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ يَقُولُ الصِّدْقَ وَيَعْمَلُ بِالْعَدْلِ كَمَا قَالَ : { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً } وَقَالَ هُودٌ : { إنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } فَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَهُوَ الْعَدْلُ الَّذِي لَا عِوَجَ فِيهِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 177
مساهمون: ابن تيمية
ص١٧٧