كل من لا يعمل إلا متوكلا على اللّه ، هو من يعقل بعيره ويتوكل « 1 » ، وكيف يليق بمن يتبع هذا المنطق ، أن يسلب المستحقين أي حق ، فتخل عن هذا التفكير ، وإذا جاز أن تكون الرغبة لدى الصديق ، لما قال « أقيلوني » « 2 » على الإطلاق ، ولو قدر أن لدى عمر قدرا ضئيلا من الرغبة ، لما قتل ابنه ضربا بالدرة .
كان الصديق رجل طريق دائما ، ومتخليا عن الكل وللأعتاب كان ملازما ، وكم نثر المال والعافية والروح ، فالزم الحياء ، فمثل هذا الرجل لا يستمرىء الظلم ، وقد تطهر من قشور الرواية لأنه كان في لب الدراية .
فمن يتعدى على منبر الدين ؛ ليس للرسول أن يجلسه مكانه ، وإن يدرك شخص هذا كله ، فكيف يستطيع القول إنه لا حق له في الخلافة ؟ .
وعمر الفاروق المتسم بالعدل ، كان يخلط الآجر أحيانا ويقتلع الشوك أحيانا ، كما كان يحمل كومة الحطب على الكتف ، ويمضي بها وسط المدينة ، أما يومه فيقضيه في رياضة حبس النفس ، وطعامه لا يتعدى سبع لقيمات ، وما كان على خوانه غير الملح مع الخل ، وما كان خبزه من بيت المال ، وإذا نام فالحصى فراشه ، والدرة وسادة رأسه ، وإناء الليل كان يحمل القربة كالسقا ، ليوصل الماء إلى العجوز ، كما كان يقضي الليل يقظا قلبه لتفقد جنده . .
ذات مرة قال لحذيفة « 3 » : يا صاحب النظر ، ألم تر مطلقا نفاقا في
هامش
( 1 ) إشارة إلى
حديث الرسول : « اعقلها وتوكل » .
الجامع الصغير ج 1 ص 155 . .
( 2 ) إشارة إلى قول أبي بكر في خطبة الخلافة : « أقبلوني ، أقيلوني لست بخيركم » .
( 3 ) حذيفة بن اليمان : أبو عبد اللّه حذيفة بن اليمان ، من صحابة الرسول وجلسائه وراوي الحديث عنه ، وهو العارف بالمحن وأحوال القلوب والمشرف على الفتن والآفات والعيوب . .
( راجع : حلية الأولياء ج 1 ، ص 270 - 283 ) .