{ إنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً } { إذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً } { وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً } وَقَالَ : { خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } فَقَدْ خَلَقَ خِلْقَةً تَسْتَلْزِمُ وُجُودَ مَا خُلِقَ مِنْهَا ، لِحِكْمَةِ عَظِيمَةٍ وَرَحْمَةٍ عَمِيمَةٍ .
فَهَذَا مِنْ جِهَةِ الْغَايَةِ مَعَ أَنَّ الشَّرَّ لَا يُضَافُ إلَيْهِ سُبْحَانَهُ .
وَأَمَّا ( الْوَجْهُ الثَّانِي ) : مِنْ جِهَةِ السَّبَبِ - فَإِنَّ هَذَا الشَّرَّ إنَّمَا وُجِدَ لِعَدَمِ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ الَّتِي تُصْلِحُ النَّفْسَ ، فَإِنَّهَا خُلِقَتْ بِفِطْرَتِهَا تَقْتَضِي مَعْرِفَةَ اللَّهِ وَمَحَبَّتَهُ ، وَقَدْ هُدِيَتْ إلَى عُلُومٍ وَأَعْمَالٍ تُعِينُهَا عَلَى ذَلِكَ ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَإِحْسَانِهِ ؛ لَكِنَّ النَّفْسَ الْمُذْنِبَةَ لَمَّا حَصَلَ لَهَا مَنْ زَيَّنَ لَهَا السَّيِّئَاتِ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ مَالَتْ إلَى ذَلِكَ ، وَكَانَ ذَلِكَ مُرَكَّباً مِنْ عَدَمِ مَا يَنْفَعُ ، وَهَذَا الْأَصْلُ وَوُجُودُ هَذَا الْعَدَمِ لَا يُضَافُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَهَؤُلَاءِ الْقَوْلُ فِيهِمْ كَالْقَوْلِ فِيهَا خَلَقَهُمْ لِحِكْمَةِ ، فَلَمَّا كَانَ عَدَمُ مَا تَصْلُحُ بِهِ هُوَ أَحَدُ السَّبَبَيْنِ ، وَالشَّرُّ الْمَحْضُ هُوَ الْعَدَمُ الْمَحْضُ ، وَهُوَ لَيْسَ شَيْئاً ، وَاَللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، فَكَانَتْ السَّيِّئَاتُ مِنْهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْحَرَكَةِ الْإِرَادِيَّةِ .
وَالْعَبْدُ إذَا اعْتَرَفَ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ أَفْعَالِهِ ، فَإِنْ اعْتَرَفَ إقْرَاراً بِخَلْقِ اللَّهِ لِكُلِّ شَيْءٍ ، وَبِكَلِمَاتِهِ التَّامَّاتِ ، وَاعْتِرَافاً بِفَقْرِهِ إلَيْهِ ، وَأَنَّهُ إنْ لَمْ يَهْدِهِ فَهُوَ ضَالٌّ ، فَخَضَعَ لِعِزَّتِهِ وَحِكْمَتِهِ فَهَذَا حَالُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإِنْ اعْتَرَفَ احْتِجَاجاً بِالْقَدَرِ فَهَذَا الذَّنْبُ أَعْظَمُ مِن الأَوَّلِ ، وَهَذَا مِنْ اتِّبَاعِ الشَّيْطَانِ .
وَهُنَا سُؤَالٌ سَأَلَهُ طَائِفَةٌ : وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُقْضَى لِلْمُؤْمِنِ مِنْ قَضَاءٍ إلَّا كَانَ خَيْراً
مجموعة الفتاوى — صفحة 214
مساهمون: ابن تيمية
ص٢١٤