وَإِذَا قِيلَ : يَخْلُقُ مَا هُوَ شَرٌّ مَحْضٌ ، لَمْ يَكُنْ هَذَا مُوجِباً لِمَحَبَّةِ الْعِبَادِ لَهُ ، وَحَمْدِهِمْ ؛ بَلْ الْعَكْسُ ؛ وَلِهَذَا كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ بِالذَّمِّ وَالشَّتْمِ نَظْماً وَنَثْراً ، وَكَثِيرٌ مِنْ شُيُوخِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ يَذْكُرُ ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْهُ بِلِسَانِهِ ، فَقَلْبُهُ مُمْتَلِئٌ بِهِ لَكِنْ يَرَى أَنْ لَيْسَ فِي ذِكْرِهِ مَنْفَعَةٌ ، أَوْ يَخَافُ مِن المُسْلِمِينَ ، وَفِي شِعْرِ طَائِفَةٍ مِن الشُّيُوخِ ذِكْرُ نَحْوِ هَذَا ؛ وَيُقِيمُونَ حُجَجَ إبْلِيسَ وَأَتْبَاعِهِ عَلَى اللَّهِ ؛ وَهُوَ خِلَافُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي قَوْلِهِ : { وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } { وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ } فَقَوْلُهُ : { أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ } يَقْتَضِي أَنَّ حَمْدَهُ أَحَقُّ مَا قَالَهُ الْعَبْدُ ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَفْعَلُ إلَّا الْخَيْرَ وَهُوَ سُبْحَانَهُ . . . .
وَنَفْسُهُ مُتَحَرِّكَةٌ بِالطَّبْعِ حَرَكَةً لَا بُدَّ فِيهَا مِن الشَّرِّ حِكْمَةً بَالِغَةً وَنِعْمَةً سَابِغَةً .
فَإِذَا قِيلَ : فَلِمَ لَا خَلَقَهَا عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ ؟ .
قِيلَ كَانَ يَكُونُ ذَلِكَ خَلْقاً غَيْرَ الْإِنْسَانِ ، وَكَانَتْ الْحِكْمَةُ بِخَلْقِهِ لَا تَحْصُلُ ، وَهَذَا سُؤَالُ الْمَلَائِكَةِ حَيْثُ قَالُوا : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } - إلَى قَوْلِهِ - { إنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ } فَعَلِمَ مِن الحِكْمَةِ فِي خَلْقِ هَذَا مَا لَمْ تَعْلَمْهُ الْمَلَائِكَةُ ، فَكَيْفَ يَعْلَمُهُ آحَادُ النَّاسِ ، وَنَفْسُ الْإِنْسَانِ خُلِقَتْ كَمَا قَالَ تَعَالَى :
مجموعة الفتاوى — صفحة 213
مساهمون: ابن تيمية
ص٢١٣