بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالْيَدِ ، فَإِذَا كَانَ كُلُّ مَخْلُوقٍ فِيهِ نِعْمَةٌ لَمْ يَكُنْ الْحَمْدُ إلَّا عَلَى نِعْمَةٍ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ .
لَكِنَّ هَذَا فَهْمُ مَنْ عَرَفَ مَا فِي الْمَخْلُوقَاتِ مِن النِّعَمِ ؛ وَالْجَهْمِيَّة وَالْجَبْرِيَّةُ بِمَعْزِلِ عَنْ هَذَا ، وَكَذَلِكَ الْقَدَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ : لَا تَعُودُ الْحِكْمَةُ إلَيْهِ ؛ بَلْ مَا ثَمَّ إلَّا نَفْعُ الْخَلْقِ فَمَا عِنْدَهُمْ إلَّا شُكْرٌ ، كَمَا لَيْسَ عِنْدَ الْجَهْمِيَّة إلَّا قُدْرَةٌ ، وَالْقُدْرَةُ الْمُجَرَّدَةُ عَنْ نِعْمَةٍ وَحِكْمَةٍ لَا يَظْهَرُ فِيهَا وَصْفُ حَمْدٍ ، وَحَقِيقَةُ مَذْهَبِهِمْ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ ؛ فَلَهُ مُلْكٌ بِلَا حَمْدٍ ، كَمَا أَنَّ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ لَهُ نَوْعٌ مِن الحَمْدِ بِلَا مُلْكٍ ، وَعِنْدَ السَّلَفِ لَهُ الْمُلْكُ وَالْحَمْدُ تَامَّيْنِ .
قَالَ تَعَالَى : { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } فَلَهُ الْوَحْدَانِيَّةُ فِي إلَهِيَّتِهِ ، وَلَهُ الْعَدْلُ وَلَهُ الْعِزَّةُ وَالْحِكْمَةُ ، وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ إنَّمَا يُثْبِتُهَا السَّلَفُ وَأَتْبَاعُهُمْ ، فَمَنْ قَصَّرَ عَنْ مَعْرِفَةِ السُّنَّةِ نَقَصَ الرَّبَّ بَعْضَ حَقِّهِ .
والجهمي الْجَبْرِيُّ : لَا يُثْبِتُ عَدْلاً وَلَا حِكْمَةً ، وَلَا تَوْحِيدَ إلَهِيَّتِهِ ، بَلْ تَوْحِيدُ رُبُوبِيَّتِهِ ، وَالْمُعْتَزِلِيُّ لَا يُثْبِتُ تَوْحِيدَ إلَهِيَّتِهِ ، وَلَا عَدْلاً وَلَا عِزَّةً وَلَا حِكْمَةً ، وَإِنْ قَالَ : إنَّهُ يُثْبِتُ حِكْمَةً مَا ، مَعْنَاهَا يَعُودُ إلَى غَيْرِهِ ، فَتِلْكَ لَا تَكُونُ حِكْمَةً ، فَمَنْ فَعَلَ لَا لِأَمْرِ يَرْجِعُ إلَيْهِ بَلْ لِغَيْرِهِ ، فَهَذَا عِنْدَ الْعُقَلَاءِ قَاطِبَةً لَيْسَ بِحَكِيمِ ، وَإِذَا كَانَ الْحَمْدُ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى نِعْمَةٍ ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ رَأْسُ الشُّكْرِ ، فَهُوَ أَوَّلُ الشُّكْرِ وَالْحَمْدِ ،
مجموعة الفتاوى — صفحة 211
مساهمون: ابن تيمية
ص٢١١