لَيْسَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ فِي ذَلِكَ وَلَا هُوَ عَلَامَةٌ مَحْضَةٌ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِنْ كَانَ قَدْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهِمْ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ يُقِرُّ بِهِ جَمَاهِيرُ بَنِي آدَمَ مِن المُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ وَالْمَجُوسِ وَالْمُشْرِكِينَ لَكِنَّ طَوَائِفَ مِن المُشْرِكِينَ وَالصَّابِئِينَ مِن المُتَفَلْسِفَةِ الْمَشَّائِينَ أَتْبَاعِ أَرِسْطُو وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ مُتَفَلْسِفَةِ أَهْلِ الْمِلَلِ كَالْفَارَابِيِّ وَابْنِ سِينَا وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمَا - مِمَّنْ خَلَطَ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ وَالتَّصَوُّفِ وَالْفِقْهِ وَنَحْوِ هَؤُلَاءِ - يَزْعُمُونَ أَنَّ تَأْثِيرَ الدُّعَاءِ فِي نَيْلِ الْمَطْلُوبِ كَمَا يَزْعُمُونَهُ فِي تَأْثِيرِ سَائِرِ الْمُمْكِنَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ مِن القُوَى الْفَلَكِيَّةِ وَالطَّبِيعِيَّةِ وَالْقُوَى النَّفْسَانِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ فَيَجْعَلُونَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الدُّعَاءِ هُوَ مِنْ تَأْثِيرِ النُّفُوسِ الْبَشَرِيَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُثْبِتُوا لِلْخَالِقِ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ عِلْماً مُفَصَّلاً أَوْ قُدْرَةً عَلَى تَغْيِيرِ الْعَالَمِ أَوْ أَنْ يُثْبِتُوا أَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ يَفْعَلَ غَيْرَ مَا فَعَلَ لَأَمْكَنَهُ ذَلِكَ فَلَيْسَ هُوَ عِنْدَهُمْ قَادِراً عَلَى أَنْ يَجْمَعَ عِظَامَ الْإِنْسَانِ وَيُسَوِّيَ بَنَانَهُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ هُوَ الْخَالِقُ لَهَا وَلِقُوَاهَا فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَإِنْ كَانَ الدُّعَاءُ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ فَمَا فَائِدَةُ الْأَمْرِ بِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ ؟ فَيُقَالُ : الدُّعَاءُ الْمَأْمُورُ بِهِ لَا يَجِبُ كَوْناً بَلْ إذَا أَمَرَ اللَّهُ الْعِبَادَ بِالدُّعَاءِ فَمِنْهُمْ مَنْ يُطِيعُهُ فَيُسْتَجَابُ لَهُ دُعَاؤُهُ وَيَنَالُ طُلْبَتَهُ وَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَعْلُومَ الْمَقْدُورَ هُوَ الدُّعَاءُ وَالْإِجَابَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْصِيهِ فَلَا يَدْعُو فَلَا يُحَصِّلُ مَا عُلِّقَ بِالدُّعَاءِ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَعْلُومِ الْمَقْدُورِ الدُّعَاءُ وَلَا الْإِجَابَةُ فَالدُّعَاءُ الْكَائِنُ هُوَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 195
مساهمون: ابن تيمية
ص١٩٥