لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } { أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ } { وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ } .
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ إنْ شَاءَ أَوْبَقَهُنَّ ؛ فَاجْتَمَعَ أَخْذُهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَعَفْوُهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْهَا مَعَ عِلْمِ الْمُجَادِلِينَ فِي آيَاتِهِ أَنَّهُ مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ؛ لِأَنَّهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ يَعْلَمُ الْمُورِدُ لِلشُّبُهَاتِ فِي الدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى رُبُوبِيَّةِ الرَّبِّ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَرَحْمَتِهِ أَنَّهُ لَا مُخَلِّصَ لَهُ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ .
كَقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : { وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ } .
فَإِنَّ الْمَعَارِفَ الَّتِي تَحْصُلُ فِي النَّفْسِ بِالْأَسْبَابِ الِاضْطِرَارِيَّةِ أَثْبَتُ وَأَرْسَخُ مِن المَعَارِفِ الَّتِي يُنْتِجُهَا مُجَرَّدُ النَّظَرِ الْقِيَاسِيِّ - الَّذِي يَنْزَاحُ عَنْ النُّفُوسِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ - هَلْ الرَّبُّ مُوجِبٌ بِذَاتِهِ .
فَلَا يَكُونُ هُوَ الْمُحْدِثَ لِلْحَوَادِثِ ابْتِدَاءً وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُحْدِثَ شَيْئاً وَلَا يُغَيِّرَ الْعَالَمَ حَتَّى يُدْعَى وَيُسْأَلَ ؟ وَهَلْ هُوَ عَالِمٌ بِالتَّفْصِيلِ وَالْإِجْمَالِ .
وَقَادِرٌ عَلَى تَصْرِيفِ الْأَحْوَالِ حَتَّى يُسْأَلَ التَّحْوِيلَ مَنْ حَالٍ إلَى حَالٍ ؟ أَوْ لَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا يَزْعُمُهُ مَنْ يَزْعُمُهُ مِن المُتَفَلْسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ مِن الضُّلَّالِ فَيَجْتَمِعُ مَعَ الْعُقُوبَةِ وَالْعَفْوِ مِنْ ذِي الْجَلَالِ عِلْمُ أَهْلِ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ أَنَّهُ لَا مَحِيصَ لَهُمْ عَمَّا أَوْقَعَ بِمَنْ جَادَلُوا فِي آيَاتِهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ .
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذَا وَأَشْبَاهِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن المَقَالَاتِ وَالدِّيَانَاتِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الدُّعَاءَ وَالسُّؤَالَ هُوَ سَبَبٌ لِنَيْلِ الْمَطْلُوبِ الْمَسْؤُولِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 194
مساهمون: ابن تيمية
ص١٩٤