جَمِيعِ الْأَضْدَادِ لَكَانَ إذَا نَهَى عَنْ بَعْضِ الْأَضْدَادِ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ مَأْمُوراً بِشَيْءِ مِنْهَا ؛ لِإِمْكَانِ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ الضِّدَّ وَلَا غَيْرَهُ مِن الأَضْدَادِ .
فَلَمَّا جَعَلُوهُ مَأْمُوراً بِبَعْضِهَا : عُلِمَ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى أَحَدِ الضِّدَّيْنِ لَا يَخْلُو مِنْهُ وَمِنْ ضِدِّهِ وَحِينَئِذٍ فَإِذَا كَانَ الرَّبُّ لَمْ يَزَلْ قَادِراً : لَزِمَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فَاعِلاً لِشَيْءِ أَوْ لِضِدِّهِ ؛ فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فَاعِلاً وَإِذَا أَمْكَنَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فَاعِلاً لِلْحَوَادِثِ أَمْكَنَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ قَابِلاً لَهَا .
وَيُمْكِنُ أَنْ يُذْكَرَ هَذَا الْجَوَابُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْبَلُ النِّزَاعَ .
( الْوَجْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ : فَيُقَالُ : إنْ كَانَ الْقَابِلُ لِلشَّيْءِ لَا يَخْلُو عَنْهُ وَعَنْ ضِدِّهِ فَالْقَادِرُ عَلَى الشَّيْءِ لَا يَخْلُو عَنْهُ وَعَنْ ضِدِّهِ ؛ لِأَنَّ الْقَادِرَ قَابِلٌ لِفِعْلِ الْمَقْدُورِ وَإِنْ كَانَ قَبُولُ الْقَابِلِ لِلْحَوَادِثِ يَسْتَلْزِمُ إمْكَانَ وُجُودِهَا فِي الْأَزَلِ فَقُدْرَةُ الْقَادِرِ أَزَلِيَّةٌ عَلَى فِعْلِ الْحَوَادِثِ يَسْتَلْزِمُ إمْكَانَ وُجُودِهَا فِي الْأَزَلِ ؛ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ قَادِراً مَعَ امْتِنَاعِ الْمَقْدُورِ : أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ قَابِلاً مَعَ امْتِنَاعِ الْمَقْبُولِ .
وَإِنْ قِيلَ : قَبُولُهُ لَهَا مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ : قِيلَ قُدْرَتُهُ عَلَيْهَا مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ .
وَحِينَئِذٍ : فَإِنْ كَانَ دَوَامُ الْحَوَادِثِ مُمْكِناً : أَمْكَنَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ قَادِراً عَلَيْهَا قَابِلاً لَهَا ؛ وَإِنْ كَانَ دَوَامُهَا لَيْسَ بِمُمْكِنِ : فَقَدْ صَارَ قَبُولُهُ لَهَا وَقُدْرَتُهُ عَلَيْهَا مُمْكِناً بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ .
فَإِنْ كَانَ هَذَا جَائِزاً جَازَ هَذَا وَإِنْ كَانَ هَذَا مُمْتَنِعاً كَانَ هَذَا مُمْتَنِعاً وَعَادَ الْأَمْرُ فِي " هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ " إلَى نَفْسِ الْقُدْرَةِ عَلَى دَوَامِ الْحَوَادِثِ وَهُوَ "
مجموعة الفتاوى — صفحة 282
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٨٢