مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : يَجُوزُ أَوْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَثَرُهُ مُنْفَصِلاً عَنْهُ ؛ فَلَا يَكُونُ الْمَقْدُورُ إلَّا مُتَرَاخِياً عَنْ الْقَادِرِ وَالْأَثَرُ مُتَرَاخِياً عَنْ الْمُؤَثِّرِ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَغَيْرِهِمْ .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : بَلْ يَجُوزُ أَوْ يَجِبُ أَنْ يُقَارِنَهُ فِي الزَّمَانِ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِن المُتَفَلْسِفَةِ وَوَافَقَهُمْ عَلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ الْكَلَامِ فِي الْعِلَّةِ الْفَاعِلِيَّةِ .
فَقَالُوا : إنَّ مَعْلُولَهَا يُقَارِنُهَا فِي الزَّمَانِ .
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ الْأَثَرَ يَتَّصِلُ بِالْمُؤَثِّرِ التَّامِّ لَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ وَلَا يُقَارِنُهُ فِي الزَّمَانِ فَالْقَادِرُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّماً عَلَى وُجُودِ الْمَقْدُورِ لَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ .
وَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ : وُجُودُ الْقَادِرِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّماً عَلَى وُجُودِ الْمَقْدُورِ قَالُوا : إنْ عَنَيْت بِالتَّقَدُّمِ الِانْفِصَالَ فَمَمْنُوعٌ ؛ وَإِنْ عَنَيْت عَدَمَ الْمُقَارَنَةِ فَمُسَلَّمٌ وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ الْمُقَارَنَةَ .
وَذَلِكَ يَتَّضِحُ بِالْجَوَابِ التَّاسِعِ : وَهُوَ أَنْ يُقَالَ : قَوْلُك أَمَّا وُجُوبُ وُجُودِ الْقَابِلِ فَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّماً عَلَى وُجُودِ الْمَقْبُولِ : فَلَمْ تَذْكُرْ عَلَيْهِ دَلِيلاً .
وَهِيَ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ سَالِبَةٌ ؛ وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ .
بَلْ الْمَقْبُولُ قَدْ يَكُونُ مِن الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ ؛ كَالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ ؛ فَيَجِبُ أَنْ يُقَارَنَ الْمَقْبُولُ لِلْقَابِلِ ؛ فَلَا يَتَقَدَّمُ الْقَابِلُ عَلَى الْمَقْبُولِ وَقَدْ يَكُونُ مِن الأُمُورِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الَّتِي تَحْدُثُ بِقُدْرَةِ الرَّبِّ وَمَشِيئَتِهِ .
فَهَذِهِ الْمَقْبُولَاتُ هِيَ مَقْدُورَةٌ لِلرَّبِّ وَهِيَ مَعَ كَوْنِهَا مَقْبُولَةً نَوْعٌ مِنْ
مجموعة الفتاوى — صفحة 278
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٧٨