فَاعْبُدْنِي } وَيُكَلِّمُ أَوْلِيَاءَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُحَيِّيهِمْ بِالسَّلَامِ ؛ قَوْلاً فِي دَارِ عدنه وَيُنَادِي عِبَادَهُ فَيَقُولُ : { مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ } وَيَقُولُ : { لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } .
وَيُكَلِّمُ أَهْلَ النَّارِ بِالتَّوْبِيخِ وَالْعِقَابِ وَيَقُولُ لَهُمْ : { اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ } .
وَيَخْلُو الْجَبَّارُ بِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ فَيُكَلِّمُهُ ؛ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ تُرْجُمَانٌ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَيُكَلِّمُ رَبُّنَا جَهَنَّمَ فَيَقُولُ لَهَا : هَلْ امْتَلَأْت ؟ وَيُنْطِقُهَا فَتَقُولُ : هَلْ مِنْ مَزِيدٍ } .
فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ إلَّا مَرَّةً وَلَمْ يَتَكَلَّمْ إلَّا مَا تَكَلَّمَ بِهِ ؛ ثُمَّ انْقَضَى كَلَامُهُ كَفَرَ بِاَللَّهِ ؛ بَلْ لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّماً وَلَا يَزَالُ مُتَكَلِّماً لَا مِثْلَ لِكَلَامِهِ ؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ نَفَى اللَّهُ الْمِثْلَ عَنْ كَلَامِهِ كَمَا نَفَى الْمِثْلَ عَنْ نَفْسِهِ وَنَفَى النَّفَادَ عَنْ كَلَامِهِ كَمَا نَفَى الْهَلَاكَ عَنْ نَفْسِهِ فَقَالَ : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجْهَهُ } وَقَالَ : { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي } .
كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ بَائِنٍ عَنْ اللَّهِ .
لَيْسَ هُوَ دُونَهُ وَلَا غَيْرَهُ وَلَا هُوَ ؛ بَلْ هُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ كَعِلْمِهِ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ لَمْ يَزَلْ رَبُّنَا عَالِماً وَلَا يَزَالُ عَالِماً وَلَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّماً وَلَا يَزَالُ يَتَكَلَّمُ ؛ فَهُوَ الْمَوْصُوفُ بِالصِّفَاتِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 173
مساهمون: ابن تيمية
ص١٧٣