تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
فَصْلٌ : وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ : " الْغَضَبُ غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ لِطَلَبِ الِانْتِقَامِ " فَلَيْسَ بِصَحِيحِ فِي حَقِّنَا ؛ بَلْ الْغَضَبُ قَدْ يَكُونُ لِدَفْعِ الْمُنَافِي قَبْلَ وُجُودِهِ فَلَا يَكُونُ هُنَاكَ انْتِقَامٌ أَصْلاً . وَأَيْضاً : فَغَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ يُقَارِنُهُ الْغَضَبُ لَيْسَ أَنَّ مُجَرَّدَ الْغَضَبِ هُوَ غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ كَمَا أَنَّ " الْحَيَاءَ " يُقَارِنُ حُمْرَةَ الْوَجْهِ وَ " الْوَجَلَ " يُقَارِنُ صُفْرَةَ الْوَجْهِ ؛ لَا أَنَّهُ هُوَ . وَهَذَا لِأَنَّ النَّفْسَ إذَا قَامَ بِهَا دَفْعُ الْمُؤْذِي فَإِنْ اسْتَشْعَرَتْ الْقُدْرَةَ فَاضَ الدَّمُ إلَى خَارِجٍ فَكَانَ مِنْهُ الْغَضَبُ وَإِنْ اسْتَشْعَرَتْ الْعَجْزَ عَادَ الدَّمُ إلَى دَاخِلٍ ؛ فَاصْفَرَّ الْوَجْهُ كَمَا يُصِيبُ الْحَزِينَ . وَأَيْضاً : فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ هَذَا هُوَ حَقِيقَةُ غَضَبِنَا لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ غَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى مِثْلَ غَضَبِنَا ؛ كَمَا أَنَّ حَقِيقَةَ ذَاتِ اللَّهِ لَيْسَتْ مِثْلَ ذَاتِنَا فَلَيْسَ هُوَ مُمَاثِلاً لَنَا : لَا لِذَاتِنَا وَلَا لِأَرْوَاحِنَا وَصِفَاتُهُ كَذَاتِهِ . وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّا إذَا قَدَّرْنَا مَوْجُودَيْنِ : أَحَدُهُمَا عِنْدَهُ قُوَّةٌ يَدْفَعُ بِهَا الْفَسَادَ . وَالْآخَرُ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ الصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ كَانَ الَّذِي عِنْدَهُ تِلْكَ الْقُوَّةِ أَكْمَلَ .