فَصْلٌ :
وَقَوْلُ الْقَائِلِ : " إنَّ الضَّحِكَ خِفَّةُ رُوحٍ " لَيْسَ بِصَحِيحِ ؛ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَدْ يُقَارِنُهُ .
ثُمَّ قَوْلُ الْقَائِلِ : " خِفَّةُ الرُّوحِ " .
إنْ أَرَادَ بِهِ وَصْفاً مَذْمُوماً فَهَذَا يَكُونُ لِمَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُضْحَكَ مِنْهُ وَإِلَّا فَالضَّحِكُ فِي مَوْضِعِهِ الْمُنَاسِبِ لَهُ صِفَةُ مَدْحٍ وَكَمَالٍ وَإِذَا قُدِّرَ حَيَّانِ أَحَدُهُمَا يَضْحَكُ مِمَّا يَضْحَكُ مِنْهُ ؛ وَالْآخَرُ لَا يَضْحَكُ قَطُّ كَانَ الْأَوَّلُ أَكْمَلَ مِن الثَّانِي .
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَنْظُرُ إلَيْكُمْ الرَّبُّ قنطين فَيَظَلُّ يَضْحَكُ يَعْلَمُ أَنَّ فَرَجَكُمْ قَرِيبٌ فَقَالَ لَهُ أَبُو رَزِينٍ العقيلي : يَا رَسُولَ اللَّهِ أو يَضْحَكُ الرَّبُّ ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : لَنْ نَعْدَمَ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْراً } .
فَجَعَلَ الْأَعْرَابِيُّ الْعَاقِلُ - بِصِحَّةِ فِطْرَتِهِ - ضَحِكَهُ دَلِيلاً عَلَى إحْسَانِهِ وَإِنْعَامِهِ ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ مَقْرُونٌ بِالْإِحْسَانِ الْمَحْمُودِ وَأَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَالشَّخْصُ الْعَبُوسُ الَّذِي لَا يَضْحَكُ قَطُّ هُوَ مَذْمُومٌ بِذَلِكَ وَقَدْ قِيلَ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْعَذَابِ : إنَّهُ { يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً } .
مجموعة الفتاوى — صفحة 121
مساهمون: ابن تيمية
ص١٢١