كَانَ كُلُّ مُمْكِنٍ فِي الْوُجُودِ أَكْمَلَ مِنْ هَذَا الَّذِي زَعَمُوا أَنَّهُ وَاجِبُ الْوُجُودِ فَإِنَّ الْوُجُودَ الْكُلِّيَّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَلَمْ يُمَيَّزْ عَنْهَا إلَّا بِعَدَمِ وَامْتَازَتْ عَنْهُ بِوُجُودِ فَكَانَ مَا امْتَازَتْ بِهِ عَنْهُ أَكْمَلَ مِمَّا امْتَازَ بِهِ هُوَ عَنْهَا إذْ الْوُجُودُ أَكْمَلُ مِن العَدَمِ .
وَأَمَّا إذَا قِيلَ : هُوَ الْوُجُودُ لَا بِشَرْطِ .
فَهَذَا هُوَ الْوُجُودُ الْكُلِّيُّ وَالطَّبِيعِيُّ الْمُطَابِقُ لِكُلِّ مَوْجُودٍ وَهَذَا لَا يَكُونُ كُلِّيّاً إلَّا فِي الذِّهْنِ .
وَأَمَّا فِي الْخَارِجِ ؛ فَلَا يُوجَدُ إلَّا مُعَيَّناً .
وَمِن النَّاسِ مَنْ قَالَ : إنَّ هَذَا الْكُلِّيَّ جُزْءٌ مِن المُعَيَّنَاتِ .
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابَ ؛ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْجُودُ الْوَاجِبُ مَعْدُوماً فِي الْخَارِجِ أَوْ أَنْ يَكُونَ عَيْنُ الْوَاجِبِ عَيْنَ الْمُمْكِنِ كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِن القَائِلِينَ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي هُوَ الصَّوَابَ ؛ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهُ جُزْءاً مِنْ كُلِّ مَوْجُودٍ ؛ فَيَكُونُ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ جُزْءاً مِنْ وُجُودِ الْمُمْكِنَاتِ .
وَمِن المَعْلُومِ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّ جُزْءَ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ هُوَ الْخَالِقَ لَهُ كُلِّهِ بَلْ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ خَالِقاً لِنَفْسِهِ فَضْلاً عَنْ أَنْ يَكُونَ خَالِقاً لِمَا هُوَ بَعْضُهُ إذْ الْكُلُّ أَعْظَمُ مِن الجُزْءِ فَإِذَا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ خَالِقاً لِلْجُزْءِ ؛ فَامْتِنَاعُ كَوْنِهِ خَالِقاً لِلْكُلِّ أَظْهَرُ وَأَظْهَرُ .
فَصَحِيحُ الْمَنْطِقِ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَبَاطِلُ الْمَنْطِقِ أَوْقَعَهُمْ فِي غَايَةِ الْكَذِبِ وَالْجَهْلِ بِاَللَّهِ { وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ } وَ { اللَّهُ وَلِيُّ
مجموعة الفتاوى — صفحة 344
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٤٤