تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَنَا بِمَا وَعَدَنَا بِهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَة مِن النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ وَأَخْبَرَنَا بِمَا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ وَيُنْكَحُ وَيُفْرَشُ وَغَيْرِ ذَلِكَ . فَلَوْلَا مَعْرِفَتُنَا بِمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا ؛ لَمْ نَفْهَمْ مَا وَعَدَنَا بِهِ ؛ وَنَحْنُ نَعْلَمُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ الْحَقَائِقَ لَيْسَتْ مِثْلَ هَذِهِ ؛ حَتَّى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْجَنَّةِ إلَّا الْأَسْمَاءُ وَهَذَا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً } عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ . فَبَيْنَ هَذِهِ الْمَوْجُودَاتِ فِي الدُّنْيَا وَتِلْكَ الْمَوْجُودَاتِ فِي الْآخِرَةِ مُشَابَهَةٌ وَمُوَافَقَةٌ وَاشْتِرَاكٌ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ وَبِهِ فَهِمْنَا الْمُرَادَ وَأَحْبَبْنَاهُ وَرَغِبْنَا فِيهِ أَوْ أَبْغَضْنَاهُ وَنَفَرْنَا عَنْهُ وَبَيْنَهُمَا مُبَايَنَةٌ وَمُفَاضَلَةٌ لَا يُقَدَّرُ قَدْرُهَا فِي الدُّنْيَا . وَهَذَا مِن التَّأْوِيلِ الَّذِي لَا نَعْلَمُهُ نَحْنُ بَلْ يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى ؛ وَلِهَذَا كَانَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : " إنَّ الْمُتَشَابِهَ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ " حَقّاً وَقَوْلُ مَنْ قَالَ : " إنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ " حَقّاً . وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ مَأْثُورٌ عَنْ السَّلَفِ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ . فَاَلَّذِينَ قَالُوا إنَّهُمْ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ مُرَادُهُمْ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ تَفْسِيرَهُ وَمَعْنَاهُ وَإِلَّا فَهَلْ يَحِلُّ لِمُسْلِمِ أَنْ يَقُولَ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ يَعْرِفُ مَعْنَى مَا يَقُولُهُ وَيُبَلِّغُهُ مِن الآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ بَلْ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِأَلْفَاظِ لَهَا مَعَانٍ لَا يَعْرِفُ مَعَانِيَهَا وَمَنْ قَالَ : إنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ تَأْوِيلَهُ ؛ أَرَادُوا بِهِ الْكَيْفِيَّةَ الثَّابِتَةَ الَّتِي اُخْتُصَّ
مجموعة الفتاوى — صفحة 347 | ابن تيمية