تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
الْوَجْهُ السَّادِسُ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ عَنْ الْخَلِيلِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً } وَقَالَ تَعَالَى : { قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إذْ تَدْعُونَ } { أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ } { قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } فَاحْتَجَّ عَلَى نَفْيِ إلَهِيَّتِهَا بِكَوْنِهَا لَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ وَلَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ ؛ مَعَ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا لَهُ بَدَنٌ وَجِسْمٌ سَوَاءٌ كَانَ حَجَراً أَوْ غَيْرَهُ . فَلَوْ كَانَ مُجَرَّدُ هَذَا الِاحْتِجَاجِ كَافِياً لَذَكَرَهُ إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ وَغَيْرُهُ مِن الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ ؛ بَلْ إنَّمَا احْتَجُّوا بِمِثْلِ مَا احْتَجَّ اللَّهُ بِهِ مِنْ نَفْيِ صِفَاتِ الْكَمَالِ عَنْهَا : كَالتَّكَلُّمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْحَرَكَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . الْوَجْهُ السَّابِعُ : أَنْ يُقَالَ : مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى إمَّا أَنْ يَكُونَ دَالّاً عَلَى أَنَّ الْإِلَهُ سُبْحَانَهُ مَوْصُوفٌ بِبَعْضِ هَذِهِ الصِّفَاتِ ؛ وَإِمَّا أَنْ لَا يَدُلَّ . فَإِنْ لَمْ يَدُلَّ بَطَلَ مَا ذَكَرُوهُ ؛ وَإِنْ دَلَّ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى إثْبَاتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ التَّكْلِيمُ لِلْعِبَادِ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْقُدْرَةُ وَالنَّفْعُ وَالضُّرُّ . وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْآيَاتُ دَلِيلاً عَلَى إثْبَاتِ الصِّفَاتِ ؛ لَا عَلَى نَفْيِهَا ، ونفاة الصِّفَاتِ إنَّمَا نَفَوْهَا لِزَعْمِهِمْ أَنَّ إثْبَاتَهَا يَقْتَضِي التَّجْسِيمَ وَالتَّجْسِيدَ . فَالْآيَاتُ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا هِيَ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ . وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ وَجَدْنَاهُ مُطَّرِداً فِي عَامَّةِ مَا يَحْتَجُّ بِهِ نفاة الصِّفَاتِ مِن الآيَاتِ فَإِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ مَطْلُوبِهِمْ لَا عَلَى مَطْلُوبِهِمْ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 222 | ابن تيمية