لِمَا ذَكَرَ فِي تِلْكَ الْآيَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَجْسَاماً بَطَلَ نَفْيُهُمْ لَهَا عَنْ اللَّهِ تَعَالَى ؛ وَوَجَبَ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِن الأَيْدِي وَغَيْرِهَا وَلَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ أَجْسَاماً وَلَا يَكُونُ تَجْسِيماً وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا تَجْسِيماً فَإِثْبَاتُ الْعُلُوِّ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ تَجْسِيماً فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ تَجْسِيماً فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشَّرْعَ مُنَاقِضٌ لِمَا ذَكَرُوهُ .
( الْوَجْهُ الْعَاشِرُ ) : أَنْ يُقَالَ : دَلَالَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى إثْبَاتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَأَنَّهُ نَفْسُهُ فَوْقَ الْعَرْشِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ ؛ كَقَوْلِهِ : { إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } وَقَوْلِهِ : { بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ } وَقَوْلِهِ : { تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إلَيْهِ } وَقَوْلِهِ : { إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ } .
وَقَدْ قِيلَ : إنَّ ذَلِكَ يَبْلُغُ ثَلَاثَمِائَةِ آيَةٍ وَهِيَ دَلَائِلُ جَلِيَّةٌ بَيِّنَةٌ مَفْهُومَةٌ : مِن القُرْآنِ مَعْقُولَةٌ : مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى .
فَإِنْ كَانَ إثْبَاتُ هَذَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ جِسْماً وَجَسَداً : لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُ مُوجِبِ هَذِهِ النُّصُوصِ بِمَا ذَكَرَ فِي قِصَّةِ الْعِجْلِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا أَنَّ مُجَرَّدَ كَوْنِهِ جَسَداً هُوَ النَّقْصُ - الَّذِي عَابَهُ اللَّهُ وَجَعَلَهُ مَانِعاً مِن الهِيَّتِهِ - وَإِنْ كَانَ إثْبَاتُ الْعُلُوِّ وَالصِّفَاتِ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ جِسْماً وَجَسَداً بَطَلَ أَصْلُ كَلَامِهِمْ ؛ فِي - أَنَّ عُمْدَتَهُمْ - أَنَّ إثْبَاتَ الْعُلُوِّ يَقْتَضِي التَّجْسِيمَ وَالتَّجَسُّدَ ؛ فَإِذَا سَلَّمُوا أَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّجْسِيمَ وَالتَّجَسُّدَ ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 224
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٢٤