الْوَجْهُ الثَّامِنُ : أَنَّهُ إذَا كَانَ كُلُّ جِسْمٍ جَسَداً وَكُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى مِن الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ وَالْأَوْثَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ : أَجْسَاماً وَهِيَ أَجْسَادٌ فَإِنْ كَانَ اللَّهُ ذَكَرَ هَذَا فِي الْعِجْلِ لِيَنْفِيَ بِهِ عَنْهُ الْإِلَهِيَّةَ : لَزِمَ أَنْ يَطَّرِدَ هَذَا الدَّلِيلُ فِي جَمِيعِ الْمَعْبُودَاتِ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا فِي غَيْرِ الْعِجْلِ : أَنَّهُ ذَكَرَ كَوْنَهُ جَسَداً لِبَيَانِ سَبَبِ افْتِتَانِهِمْ بِهِ لَا أَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ هُوَ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ ؛ بَلْ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً .
الْوَجْهُ التَّاسِعُ : أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ فِي الْأَعْرَافِ : { أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } وَلِلنَّاسِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ وَصَفَهُمْ بِهَذِهِ النَّقَائِصِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْعَابِدَ أَكْمَلُ مِن المَعْبُودِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْبُودَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَوْصُوفاً بِنَقِيضِ هَذِهِ الصِّفَاتِ فَإِنْ قِيلَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ بِمِثْلِهِ فِي آيَةِ الْعِجْلِ .
فَلَا يَكُونُ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِصِفَاتِ الْإِلَهِ ؛ وَإِنْ قِيلَ بِالثَّانِي : وَجَبَ أَنْ يَتَّصِفَ الرَّبُّ تَعَالَى بِمَا نَفَاهُ عَنْ الْأَصْنَامِ .
وَحِينَئِذٍ : فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ أَجْسَاماً كَانَتْ هَذِهِ الدَّلَالَةُ مُعَارِضَةٌ
مجموعة الفتاوى — صفحة 223
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٢٣