وَلِذَا يَقُولُ الْفُقَهَاءُ : النَّجَاسَةُ إنْ كَانَتْ مُتَجَسِّدَةً كَالْمَيْتَةِ فَحُكْمُهَا كَذَا وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُتَجَسِّدَةٍ كَالْبَوْلِ فَحُكْمُهَا كَذَا .
وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِجَسَدِ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ لَا يَكُونُ جِسْماً بِهَذَا الِاصْطِلَاحِ ؛ لِأَنَّ الْجِسْمَ أَعَمُّ عِنْدَهُمْ مِن الجَسَدِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْخَاصِّ نَفْيُ الْعَامِّ ؛ كَمَا إذَا قُلْت لَيْسَ هُوَ بِإِنْسَانِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيَوَانِ .
فَلَفْظُ الْجِسْمِ فِيهِ اشْتِرَاكٌ بَيْنَ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ وَمَعْنَاهُ فِي عُرْفِ أَهْلِ الْكَلَامِ ؛ فَإِذَا كَانَ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ هُوَ مَعْنَى الْجَسَدِ - وَهَذَا مُنْتَفٍ بِمَا ذَكَرَ مِن الدَّلِيلِ - بَطَلَ قَوْلُ مَنْ نَفَى الِاسْتِوَاءَ بِالذَّاتِ ؛ أَوْ غَيْرَهُ مِن الصِّفَاتِ .
بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَوْصُوفاً بِذَلِكَ : لَكَانَ جِسْماً فَإِنَّ التَّلَازُمَ حِينَئِذٍ مُنْتَفٍ فَإِحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ بَاطِلَةٌ ؛ إمَّا الْأُولَى وَإِمَّا الثَّانِيَةُ .
وَنَظِيرُ هَذَا أَنْ يَقُولَ : لَوْ كَانَ لَهُ عِلْمٌ وَقُدْرَةٌ لَكَانَ مَحَلّاً لِلْأَعْرَاضِ وَمَا كَانَ مَحَلّاً لِلْأَعْرَاضِ فَهُوَ مَحَلُّ الْآفَاتِ وَالْعُيُوبِ فَلَا يَكُونُ قُدُّوساً وَلَا سَلَاماً لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَالُوا : الْعَرَضُ بِالتَّحْرِيكِ مَا يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ فَلَوْ جَازَ أَنْ تَقُومَ بِهِ هَذِهِ لَكَانَ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ مَعِيباً نَاقِصاً وَهُوَ سُبْحَانَهُ مُقَدَّسٌ عَنْ ذَلِكَ ؛ إذْ هُوَ السَّلَامُ الْقُدُّوسُ .
فَيُقَالُ : لَفْظُ الْعَرَضِ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ مَا ذَكَرَ مِنْ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ وَبَيْنَ مَعْنَاهُ فِي عُرْفِ أَهْلِ الْكَلَامِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ - عِنْدَ مَنْ يُسَمِّي الْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 215
مساهمون: ابن تيمية
ص٢١٥