وَأَمَّا " اللُّغَاتُ " فَإِنَّ جَمِيعَ أَهْلِ اللُّغَاتِ - مِن العَرَبِ وَالرُّومِ وَالْفُرْسِ وَالتُّرْكِ وَالْبَرْبَرِ وَغَيْرِهِمْ - يَقَعُ مِثْلُ هَذَا فِي لُغَاتِهِمْ وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي لُغَاتِ جَمِيعِ الْأُمَمِ ؛ بَلْ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَحَقُّ بِأَنْ يَكُونَ قَادِراً فَاعِلاً مِن العَبْدِ ؛ وَأَنَّ اسْتِحْقَاقَ اسْمِ الرَّبِّ الْقَادِرِ لَهُ حَقِيقَةٌ أَعْظَمُ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْعَبْدِ لِذَلِكَ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِن الأَسْمَاءِ الْحُسْنَى .
وَقَوْلُ النَّاسِ : إنَّ بَيْنَ الْمُسَمَّيَيْنِ قَدْراً مُشْتَرَكاً لَا يُرِيدُونَ بِأَنْ يَكُونَ فِي الْخَارِجِ عَنْ الْأَذْهَانِ أَمْراً مُشْتَرَكاً بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ مَخْلُوقٍ وَمَخْلُوقٍ فِي الْخَارِجِ شَيْءٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَكَيْفَ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ ؛ وَإِنَّمَا تَوَهَّمَ هَذَا مَنْ تَوَهَّمَهُ مَنْ أَهْلِ " الْمَنْطِقِ الْيُونَانِيِّ " وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّ فِي الْخَارِجِ مَاهِيَّاتٍ مُطْلَقَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْأَعْيَانِ الْمَحْسُوسَةِ ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يُجَرِّدُهَا عَنْ الْأَعْيَانِ كَأَفْلَاطُونَ ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : لَا تَنْفَكُّ عَنْ الْأَعْيَانِ : كَأَرِسْطُو وَابْنِ سِينَا وَأَشْبَاهِهِمَا .
وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبَيَّنَّا مَا دَخَلَ عَلَى مَنْ اتَّبَعَهُمْ مِن الضَّلَالِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فِي " الْمَنْطِقِ وَالْإِلَهِيَّاتِ " حَتَّى إنَّ طَوَائِفَ مِن النُّظَّارِ قَالُوا : إنَّا إذَا قُلْنَا : إنَّ وُجُودَ الرَّبِّ عَيْنُ مَاهِيَّتِهِ - كَمَا هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ وَمُتَكَلِّمَةِ أَهْلِ الصِّفَاتِ : كَابْنِ كُلَّابٍ وَالْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِمَا - يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ " الْوُجُودِ " مَقُولاً عَلَيْهِمَا بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِي عَنْ الْأَشْعَرِيِّ وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِمْ ؛ وَلَيْسَ هَذَا مَذْهَبَهُمْ ؛
مجموعة الفتاوى — صفحة 203
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٠٣