قِيلَ : الْوُجُودُ يَنْقَسِمُ إلَى قَدِيمٍ وَمُحْدَثٍ وَوَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ ؛ وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ فِي الِاسْتِوَاءِ : يَنْقَسِمُ إلَى اسْتِوَاءِ الْخَالِقِ وَاسْتِوَاءِ الْمَخْلُوقِ ؛ وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ : الْإِرَادَةُ وَالرَّحْمَةُ وَالْهِبَةُ تَنْقَسِمُ إلَى إرَادَةِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَإِرَادَةِ الْعَبْدِ وَمَحَبَّتِهِ وَرَحْمَتِهِ .
فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ " الْحَقِيقَةَ " إنَّمَا تَتَنَاوَلُ صِفَةَ الْعَبْدِ الْمَخْلُوقَةَ الْمُحْدَثَةَ دُونَ صِفَةِ الْخَالِقِ كَانَ فِي غَايَةِ الْجَهْلِ ؛ فَإِنَّ صِفَةَ اللَّهِ أَكْمَلُ وَأَتَمُّ وَأَحَقُّ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى فَلَا نِسْبَةَ بَيْنَ صِفَةِ الْعَبْدِ وَصِفَةِ الرَّبِّ كَمَا لَا نِسْبَةَ بَيْنَ ذَاتِهِ وَذَاتِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ الْعَبْدُ مُسْتَحِقّاً لِلْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى حَقِيقَةً : فَيَسْتَحِقُّ أَنْ يُقَالَ لَهُ : عَالِمٌ قَادِرٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ؛ وَالرَّبُّ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ إلَّا مَجَازاً وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ كَمَالٍ حَصَلَ لِلْمَخْلُوقِ فَهُوَ مِن الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى ؛ فَكُلُّ كَمَالٍ حَصَلَ لِلْمَخْلُوقِ فَالْخَالِقُ أَحَقُّ بِهِ ؛ وَكُلُّ نَقْصٍ تَنَزَّهَ عَنْهُ الْمَخْلُوقُ فَالْخَالِقُ أَحَقُّ أَنْ يُنَزَّهَ عَنْهُ ؛ وَلِهَذَا كَانَ اللَّهُ " الْمَثَلُ الْأَعْلَى " فَإِنَّهُ لَا يُقَاسُ بِخَلْقِهِ وَلَا يُمَثَّلُ بِهِمْ وَلَا تُضْرَبُ لَهُ الْأَمْثَالُ .
فَلَا يَشْتَرِكُ هُوَ وَالْمَخْلُوقُ فِي قِيَاسِ تَمْثِيلٍ بِمَثَلِ ؛ وَلَا فِي قِيَاسِ شُمُولٍ تَسْتَوِي أَفْرَادُهُ بَلْ { وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } .
وَمِن النَّاسِ مَنْ يُسَمِّي هَذِهِ الْأَسْمَاءَ " الْمُشَكِّكَةَ " لِكَوْنِ الْمَعْنَى فِي أَحَدِ الْمَحَلَّيْنِ أَكْمَلَ مِنْهُ فِي الْآخَرِ فَإِنَّ الْوُجُودَ بِالْوَاجِبِ أَحَقُّ مِنْهُ بِالْمُمْكِنِ وَالْبَيَاضَ بِالثَّلْجِ أَحَقُّ مِنْهُ بِالْعَاجِ وَأَسْمَاؤُهُ وَصِفَاتُهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُوصَفُ بِهَا عَلَى
مجموعة الفتاوى — صفحة 201
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٠١