تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
وَجْهٍ لَا يُمَاثِلُ أَحَداً مِن المَخْلُوقِينَ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ كُلِّ قِسْمَيْنِ قَدْراً مُشْتَرَكاً وَذَلِكَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ هُوَ مُسَمَّى اللَّفْظِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَإِذَا قُيِّدَ بِأَحَدِ الْمَحَلَّيْنِ تَقَيَّدَ بِهِ . فَإِذَا قِيلَ : وُجُودٌ وَمَاهِيَّةٌ وَذَاتٌ كَانَ هَذَا الِاسْمُ مُتَنَاوِلاً لِلْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ وَإِنْ كَانَ الْخَالِقُ أَحَقَّ بِهِ مِن المَخْلُوقِ وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا . فَإِذَا قِيلَ : وُجُودُ اللَّهِ وَمَاهِيَّتُهُ وَذَاتُهُ اخْتَصَّ هَذَا بِاَللَّهِ ؛ وَلَمْ يَبْقَ لِلْمَخْلُوقِ دُخُولٌ فِي هَذَا الْمُسَمَّى وَكَانَ حَقِيقَةً لِلَّهِ وَحْدَهُ . وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ وُجُودُ الْمَخْلُوقِ وَذَاتُهُ اخْتَصَّ ذَلِكَ بِالْمَخْلُوقِ وَكَانَ حَقِيقَةً لِلْمَخْلُوقِ . فَإِذَا قِيلَ : وُجُودُ الْعَبْدِ وَمَاهِيَّتُهُ وَحَقِيقَتُهُ لَمْ يَدْخُلْ الْخَالِقُ فِي هَذَا الْمُسَمَّى وَكَانَ حَقِيقَةً لِلْمَخْلُوقِ وَحْدَهُ . وَالْجَاهِلُ يَظُنُّ أَنَّ اسْمَ الْحَقِيقَةِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْمَخْلُوقَ وَحْدَهُ وَهَذَا ضَلَالٌ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ فِي " الْعُقُولِ " وَ " الشَّرَائِعِ " و " اللُّغَاتِ " فَإِنَّهُ مِن المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ بَيْنَ كُلِّ مَوْجُودَيْنِ قَدْراً مُشْتَرَكاً وَقَدْراً مُمَيَّزاً وَالدَّالُّ عَلَى مَا بِهِ الِاشْتِرَاكُ وَحْدَهُ لَا يَسْتَلْزِمُ مَا بِهِ الِامْتِيَازَ وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ اللَّهَ مُسْتَحِقٌّ لِلْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَقَدْ سَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ بِبَعْضِ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ كَمَا سَمَّى الْعَبْدَ سَمِيعاً بَصِيراً وَحَيّاً وَعَلِيماً وَحَكِيماً وَرَؤُوفاً رَحِيماً وَمَلِكاً وَعَزِيزاً وَمُؤْمِناً وَكَرِيماً وَغَيْرَ ذَلِكَ . مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الِاتِّفَاقَ فِي الِاسْمِ لَا يُوجِبُ مُمَاثِلَةَ الْخَالِقِ بِالْمَخْلُوقِ وَإِنَّمَا يُوجِبُ الدَّلَالَةَ عَلَى أَنَّ بَيْنَ الْمُسَمَّيَيْنِ قَدْراً مُشْتَرَكاً فَقَطْ ؛ مَعَ أَنَّ الْمُمَيِّزَ الْفَارِقَ أَعْظَمُ مِن المُشْتَرَكِ الْجَامِعِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 202 | ابن تيمية