أَيْ وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ أَرْبَاباً بِنِسْبَةِ مَا : فَأَنَا الْأَعْلَى مِنْهُمْ ؛ بِمَا أُعْطِيته فِي الظَّاهِرِ مِن الحُكْمِ فِيهِمْ .
وَلَمَّا عَلِمَتْ السَّحَرَةُ صِدْقَ فِرْعَوْنَ فِيمَا قَالَهُ : لَمْ يُنْكِرُوهُ ؛ بَلْ أَقَرُّوا لَهُ بِذَلِكَ وَقَالُوا لَهُ : { فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ } فَالدَّوْلَةُ لَك فَصَحَّ قَوْلُ فِرْعَوْنَ : { أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } وَأَنَّهُ كَانَ عَيْنَ الْحَقِّ .
وَيَكْفِيك مَعْرِفَةً بِكُفْرِهِمْ : أَنَّ مِنْ أَخَفِّ أَقْوَالِهِمْ أَنَّ فِرْعَوْنَ مَاتَ مُؤْمِناً ؛ بَرِيّاً مِن الذُّنُوبِ كَمَا قَالَ : وَكَانَ مُوسَى قُرَّةَ عَيْنٍ لِفِرْعَوْنَ بِالْإِيمَانِ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ عِنْدَ الْغَرَقِ فَقَبَضَهُ طَاهِراً مُطَهَّراً لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن الخُبْثِ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عِنْدَ إيمَانِهِ قَبْلَ أَنْ يَكْتَسِبَ شَيْئاً مِن الآثَامِ وَالْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ .
وَقَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ أَهْلِ الْمِلَلِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى : أَنَّ فِرْعَوْنَ مِنْ أَكْفَرِ الْخَلْقِ بِاَللَّهِ ؛ بَلْ لَمْ يَقُصَّ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ قِصَّةَ كَافِرٍ بِاسْمِهِ الْخَاصِّ أَعْظَمَ مِنْ قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وَلَا ذَكَرَ عَنْ أَحَدٍ مِن الكُفَّارِ مِنْ كُفْرِهِ وَطُغْيَانِهِ وَعُلُوِّهِ : أَعْظَمَ مِمَّا ذَكَرَ عَنْ فِرْعَوْنَ .
وَأَخْبَرَ عَنْهُ وَعَنْ قَوْمِهِ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ أَشَدَّ الْعَذَابِ فَإِنَّ لَفْظَ آلِ فِرْعَوْنَ : كَلَفْظِ آلِ إبْرَاهِيمَ وَآلِ لُوطٍ وَآلِ دَاوُد وَآلِ أَبِي أَوْفَى ؛ يَدْخُلُ فِيهَا الْمُضَافُ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ فَإِذَا جَاءُوا إلَى أَعْظَمِ عَدُوٍّ لِلَّهِ مِن الإِنْسِ أَوْ مَنْ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَعْدَائِهِ : فَجَعَلُوهُ مُصِيباً مُحِقّاً فِيمَا كَفَّرَهُ بِهِ اللَّهُ : عَلِمَ أَنَّ مَا قَالُوهُ أَعْظَمُ مِنْ كُفْرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَكَيْفَ بِسَائِرِ مَقَالَاتِهِمْ ؟ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 125
مساهمون: ابن تيمية
ص١٢٥