وَقَدْ اتَّفَقَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا : عَلَى أَنَّ الْخَالِقَ تَعَالَى بَائِنٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ لَيْسَ فِي ذَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ وَلَا فِي مَخْلُوقَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَاتِهِ .
وَالسَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ كَفَّرُوا الْجَهْمِيَّة لَمَّا قَالُوا إنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَكَانَ مِمَّا أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِمْ : أَنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ فِي الْبُطُونِ وَالْحُشُوشِ والأخلية ؟ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ .
فَكَيْفَ بِمَنْ يَجْعَلُهُ نَفْسَ وُجُودِ الْبُطُونِ وَالْحُشُوشِ والأخلية وَالنَّجَاسَاتِ وَالْأَقْذَارِ ؟ .
وَاتَّفَقَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا : أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ .
وَلَا فِي أَفْعَالِهِ وَقَالَ : مَنْ قَالَ مِن الأَئِمَّةِ مَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ فَقَدْ كَفَرَ وَمَنْ جَحَدَ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ فَقَدْ كَفَرَ وَلَيْسَ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ وَلَا رَسُولَهُ تَشْبِيهاً .
وَأَيْنَ الْمُشَبِّهَةُ الْمُجَسِّمَةُ مِنْ هَؤُلَاءِ ؟ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ غَايَةُ كُفْرِهِمْ : أَنْ يَجْعَلُوهُ مِثْلَ الْمَخْلُوقَاتِ .
لَكِنْ يَقُولُونَ : هُوَ قَدِيمٌ وَهِيَ مُحْدَثَةُ وَهَؤُلَاءِ جَعَلُوهُ عَيْنَ الْمَخْلُوقَاتِ وَجَعَلُوهُ نَفْسَ الْأَجْسَامِ الْمَصْنُوعَاتِ وَوَصَفُوهُ بِجَمِيعِ النَّقَائِصِ وَالْآفَاتِ الَّتِي يُوصَفُ بِهِمَا كُلُّ كَافِرٍ وَكُلُّ فَاجِرٍ وَكُلُّ شَيْطَانٍ وَكُلُّ سَبُعٍ وَكُلُّ حَيَّةٍ مِن الحَيَّاتِ فَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ إفْكِهِمْ وَضَلَالِهِمْ وَسُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً .
وَاَللَّهُ تَعَالَى يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ وَلِدِينِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 126
مساهمون: ابن تيمية
ص١٢٦