فقال : العارف منكم هذا الأمر ، المنتظر له ، المحتسب فيه الخير ، كمن جاهد ( 1 )
والله مع قائم آل محمد عليه السلام بسيفه . ثم قال : بل والله كمن جاهد مع رسول
الله صلى الله عليه وآله سيفه . ثم قال الثالثة : بل والله كمن استشهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله في
فسطاطه . وفيكم آية من كتاب الله . وقلت : وأي آية جعلت فداك ؟ قال قول الله عز
وجل : ( والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم ) ثم
قال : صرتم والله صادقين شهداء عند ربكم .
وقيل : إن الشهداء منفصل مما قبله مستأنف ، والمراد بالشهداء
الأنبياء عليه السلام الذين يشهدون للأمم وعليهم ، وهو قول ابن عباس ، ومسروق ،
ومقاتل بن حيان ، واختاره الفراء والزجاج . وقيل : هم الذين استشهدوا في سبيل
الله ، عن مقاتل بن سليمان ، وابن جرير ( والذين كفروا كذبوا بآياتنا أولئك أصحاب
الجحيم ) يبقون فيها دائمين . ثم زهد سبحانه المؤمنين في الدنيا ، والركون إلى
لذاتها فقال : ( اعلموا أنما الحياة الدنيا ) يعني إن الحياة في هذه الدار الدنيا ( لعب
ولهو ) أي بمنزلة اللهو واللعب ، إذ لا بقاء لذلك ، ولا دوام ، ويزول عن وشيك ،
كما يزول اللهو واللعب . قال مجاهد : كل لعب لهو . وقيل : اللعب ما رغب في
الدنيا ، واللهو ما ألهى عن الآخرة . ( وزينة ) تتزينون بها في الدنيا . وقيل : أراد بذلك أنها تتحلى في أعين
أهلها ، ثم تتلاشى ( وتفاخر بينكم ) أي يفاخر الرجل بها قرينه وجاره ، عن ابن
عباس . ( وتكاثر في الأموال والأولاد ) قال : يجمع ما لا يحل له تكاثرا به ،
ويتطاول على أولياء الله بماله وولده وخدمه ، والمعنى : أنه يفني عمره في هذه
الأشياء . ثم بين سبحانه لهذه الحياة شبها فقال : ( كمثل غيث ) أي مطر ( أعجب
الكفار نباته ) أي أعجب الزراع ما ينبت من ذاك الغيث . قال الزجاج : ويجوز أن
يكون المراد الكفار بالله ، لأن الكافر أشد إعجابا بالدنيا من غيره . ( ثم يهيج ) أي
ييبس ( فتراه مصفرا ) وهو إذا قارب اليبس ( ثم يكون حطاما ) يتحطم ويتكسر بهد
يبسه . وشرح هذا المثل قد تقدم في سورة يونس . ( وفي الآخرة عذاب شديد )
لأعداء الله ، عن مقاتل ( ومغفرة من الله ورضوان ) لأوليائه وأهل طاعته ( وما الحياة
الدنيا إلا متاع الغرور ) لمن اغتر بها ، ولم يعمل لآخرته . قال سعيد بن جبير : متاع
هامش
( 1 ) في المخطوطة : كمن جالد .