عليها حسن النصب ، وصار كل موضع من ذلك ، كأن إن مذكورة فيه ، بدلالة دخول
اللام ، لأن هذه اللام إنما تدخل على خبر إن ، أو على اسمها . ومما يجوز أن يتأول
على ما ذكرنا ، قول الفرزدق :
وباشر راعيها الصلا بلبانه ، * وكفيه ، حر النار ما يتحرف ( 1 )
فهذا إن حملت الكلام على ظاهره ، كان عطفا على عاملين على الفعل والباء
إن قدرت أن الباء ملفوظ بها لتقدم ذكرها صارت في حكم الثبات في اللفظ . وإذا
صار كذلك ، كان العطف على عامل واحد ، وهو الفعل دون الجار ، وكذلك قول
الآخر :
أوصيت من برة قلبا حرا ، * بالكلب خيرا ، والحماة شرا ( 2 )
فإن قدرت الجار في حكم المذكور لدلالة المتقدم عليه ، لم يكن عطفا على
عاملين كما لم يكن قوله ( واختلاف الليل والنهار لآيات ) كذلك . وقد يخرج قوله
( واختلاف الليل والنهار آيات ) من أن يكون عطفا على عاملين من وجه آخر ، وهو أن
تقدر قوله : ( واختلاف الليل والنهار ) على في المتقدم ذكرها ، وتجعل ( آيات )
متكررة كررتها لما تراخى الكلام وطال ، كما قال بعض شيوخنا في قوله تعالى : ( ألم
يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم ) أن هي أن الأولى كررت ، وكما
جاء : ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) لما تراخى عن قوله : ( ولما جاءهم كتاب
من عند الله ) وهذا النحو في كلامهم غير ضيق .
المعنى : ( حم ) قد بينا ما قيل فيه ، وأجود الأقوال إنه اسم للسورة . قال
علي بن عيسى : وفي تسمية السورة بحم ، دلالة على أن هذا القرآن المعجز كله من
حروف المعجم ، لأنه سمي به ليدل عليه بأوصافه ، ومن أوصافه : أنه معجز وأنه
مفصل قد فصلت كل سورة من أختها . وأنه هدى ونور ، فكأنه قيل . هذا اسمه الدال
هامش
( 1 ) الصلا . وسط الظهر من الناس ، ومن كل ذي أربع . النار : الوقود . واللبان بالفتح : الصدر .
وفي نسختين ( يتحرق ) بدل ( يتحرف ) . وتحرق أي : وقع في النار . وتحرف أي : مال إلى
حرف أي : إلى جانب .
( 2 ) برة : امرأة وهي جدة قريش أم النضر بن كنانة . والحماة بالفتح : أم الزوجة . وحماة المرأة :
أم زوجها أي : أوصتني برة من قلب حر ، أو بقلب حر ، بالكلب خيرا ، وبالحماة شرا .