هذه الفتنة ، ليكون الأمر أيسر عليه إذا نزل به .
ثم أقسم سبحانه فقال : ( ولقد فتنا الذين من قبلهم ) أي : ولقد ابتلينا الذين
من قبل أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من سالف الأمم بالفرائض التي افترضناها عليهم ، أو
بالشدائد والمصائب على حسب اختلافهم ، وذكر ذلك تسلية للمؤمنين . قال ابن
عباس : منهم إبراهيم خليل الرحمن ، وقوم كانوا معه ومن بعده نشروا بالمناشير على
دين الله ، فلم يرجعوا عنه . وقال غيره : يعني بني إسرائيل ، ابتلوا بفرعون يسومونهم
سوء العذاب . ( فليعلمن الله الذين صدقوا ) في إيمانهم ( وليعلمن الكاذبين ) فيه
وإنما ( قال فليعلمن ) مع أن الله سبحانه كان عالما فيما لم يزل بأن المعلوم
سيحدث ، لأنه لا يصح وصفه سبحانه فيما لم يزل بأنه عالم بأنه حادث ، وإنما يعلمه
حادثا إذا حدث . وقيل : معناه فليميزن الله الذين صدقوا من الذين كذبوا بالجزاء
والمكافأة . وعبر عن الجزاء والتمييز بالعلم ، لأن كل ذلك إنما يحصل بالعلم ، فأقام
السبب مقام المسبب ، ومثله في إقامة السبب مقام المسبب قوله تعالى : ( كانا يأكلان
الطعام ) فهذا سبب قضاء الحاجة ، فكنى بذكره عنها . ومعنى صدقوا أي : ثبتوا على
الشدائد ، وكذبوا أي : لم يثبتوا ، ومنه قول زهير : ( إذا ما الليث كذب عن أقرانه
صدقا ) ( 1 )
( أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ) أم هذه استفهام منقطع عما
قبله ، وليست التي هي معادلة الهمزة ، والمعنى بل أحسب الذين يفعلون الكفر
والقبائح أن يفوتونا فوت السابق لغيره ، ويعجزونا فلا نقدر على أخذهم ، والانتقام
منهم . ( ساء ما يحكمون ) أي : بئس الشئ الذي يحكمون ظنهم أنهم يفوتوننا .
وروى العياشي بالإسناد عن أبي الحسن عليه السلام قال : جاء العباس إلى أمير
المؤمنين عليه السلام فقال له : امش حتى نبايع لك الناس . فقال : أتراهم فاعلين ؟ قال :
نعم فأين قول الله ( ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا ) الآيات . ( من كان
يرجو لقاء الله ) أي : من كان يأمل لقاء ثواب الله . وقيل : معناه من كان يخاف عقاب
الله ، عن سعيد بن جبير ، والسدي . والرجاء قد يكون بمعنى الخوف ، كما في قول
الشاعر :
هامش
( 1 ) تمام البيت : ( ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ما الليث كذب عن أقرانه صدقا ) وعثر بتشديد الثاء -
موضوع كثير الأسد