إطاعة الوالدين في الواجبات حتما ، وفي المباحات ندبا . ونهى عن طاعتهما في
المحظورات ، ونفى العلم به كأنه كناية عن تعريه من الأدلة ، لأنه إذا لم يكن عليه
حجة ودليل لم يحصل العلم به فلا يحسن اعتقاده .
( إلي مرجعكم ) أي : إلى حكمي مصيركم ( فأنبئكم بما كنتم تعملون ) أي :
أخبركم بأعمالكم فأجازيكم عليها . وروي عن سعد بن أبي وقاص قال : كنت رجلا
برا بأمي ، فلما أسلمت قالت : يا سعد ! ما هذا الدين الذي أحدثت ، لتدعن دينك
هذا ، أولا آكل ، ولا أشرب حتى أموت ، فتعير بي ، فيقال : يا قاتل أمه ! فقلت :
لا تفعلي يا أمه ، إني لا أدع ديني هذا لشئ . قال : فمكثت يوما لا تأكل وليلة ، ثم
مكثت يوما آخر وليلة ، فلما رأيت ذلك ، قلت : والله يا أمه لو كانت لك مائة نفس ،
فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا ، فكلي واشربي ، وإن شئت فلا تأكلي ، ولا
تشربي ! فلما رأت ذلك أكلت ، فأنزلت هذه الآية : ( وإن جاهداك ) . وأمه حمنة
بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس .
وروي عن بهر بن أبي حكيم ، عن أبيه ، عن جده قال : قلت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم :
يا رسول الله ! من أبر ؟ قال : أمك . قلت : ثم من ؟ قال : ثم أمك . قلت : ثم
من ؟ قال : ثم أمك . قلت : ثم من ؟ قال ثم أباك . ثم الأقرب فالأقرب . وعن
أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( الجنة تحت أقدام الأمهات ) . ثم قال
سبحانه : ( والذين آمنوا ) أي : صدقوا بوحدانية الله تعالى ، وإخلاص العبادة له
( وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين ) أي : في زمرتهم وجملتهم في الجنة .
ولما ذكر سبحانه خيار المؤمنين ، عقبه بذكر ضعفائهم . وقيل : بل عقبه بذكر
المنافقين فقال : ( ومن الناس من يقول آمنا بالله ) بلسانه ( فإذا أوذي في الله ) أي :
في دين الله ، أو في ذات الله ( جعل فتنة الناس كعذاب الله ) والمعنى فإذا أوذي
بسبب دين الله ، رجع عن الدين مخافة عذاب الناس ، كما ينبغي للكافر أن يترك دينه
مخافة عذاب الله ، فيسوي بين عذاب فان منقطع ، وبين عذاب دائم غير منقطع
أبدا ، لقلة تمييزه . وسمى أذية الناس فتنة لما في احتمالها من المشقة . ( ولئن جاء
نصر من ربك ) يا محمد أي . ولئن جاء نصر من الله للمؤمنين ، ودولة لأولياء الله
على الكافرين . ( ليقولن إنا كنا معكم ) أي : ليقولن هؤلاء المنافقون للمؤمنين : إنا
كنا معكم على عدوكم طمعا في الغنيمة . ثم كذبهم الله فقال : ( أوليس الله بأعلم بما
تفسير مجمع البيان — صفحة 11
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١١