القراءة : قرأ حمزة والكسائي : ( فارقوا ) بالألف . والباقون : ( فرقوا ) . وقد
مضى بيانه في سورة الأنعام . وفي الشواذ قراءة أبي العالية : ( فيمتعوا فسوف
يعلمون ) . ومعناه : تطول أعمارهم على كفرهم ، فسوف يعلمون تهديدا على ذلك .
اللغة : الإنابة : الانقطاع إلى الله بالطاعة ، فأصله على هذا القطع ، ومنه الناب
لأنه قاطع . وينيب في الأمر : إذا نشب فيه ، كما ينشب الناب القاطع . ويجوز أن
يكون من ناب ينوب : إذا رجع مرة بعد مرة ، فتكون الإنابة التوبة التي يجددها مرة
بعد مرة . والشيع : الفرق ، وكل فرقة شيعة على حدة سموا بذلك لأن بعضهم يشيع
بعضا على مذهبه . فشيعة الحق هم الذين اجتمعوا على الحق ، وكذلك شيعة أمير
المؤمنين عليه السلام هم الذين اجتمعوا معه على الحق .
المعنى : ثم قال سبحانه ( منيبين إليه ) قال الزجاج : زعم جميع النحويين أن
معناه فأقيموا وجوهكم منيبين إليه ، لأن مخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، تدخل معه فيها الأمة
والدليل على ذلك قوله ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ) فقوله : ( فأقم وجهك ) معناه
فأقيموا وجوهكم منيبين إليه أي : راجعين إلى كل ما أمر به مع التقوى ، وأداء
الفرض ، وهو قوله ( واتقوه وأقيموا الصلاة ) . ثم أخبر سبحانه أنه لا ينفع ذلك إلا
بالإخلاص في التوحيد ، فقال : ( ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم )
أي : لا تكونوا من أهل الشرك من جملة الذين فرقوا دينهم ، عن الفراء . ويجوز أن
يكون قوله من الذين فرقوا دينهم .
( وكانوا شيعا ) ابتداء كلام ومعناه : الذين أوقعوا في دينهم الاختلاف ،
وصاروا ذوي أديان مختلفة ، فصار بعضهم يعبدوننا ، وبعضهم يعبد نارا وبعضهم
شمسا ، إلى غير ذلك . وقد تقدم تفسيره في سورة الأنعام . ( كل حزب بما لديهم
فرحون ) أي : كل أهل ملة بما عندهم من الدين راضون ، عن مقاتل . وقيل : كل
فريق بدينهم معجبون مسرورون ، يظنون أنهم على حق . ( وإذا مس الناس ضر دعوا
ربهم ) أي : إذا أصابهم مرض ، أو فقر ، أو شدة ، دعوا الله تعالى . ( منيبين إليه )
أي : منقطعين إليه ، مخلصين في الدعاء له . ( ثم إذا أذاقهم منه رحمة ) بأن
يعافيهم من المرض ، أو يغنيهم من الفقر ، أو ينجيهم من الشدة . ( إذا فريق منهم
بربهم يشركون ) أي : يعودون إلى عبادة غير الله على خلاف ما يقتضيه العقل من
مقابلة النعم بالشكر .
تفسير مجمع البيان — صفحة 60
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٦٠