على الغائب . ثم أكد ذلك بقوله : ( وهو أهون عليه ) هو يعود إلى مصدر يعيده
فالمعنى : والإعادة أهون . وقيل فيه أقوال أحدها : إن معناه وهو هين عليه كقوله :
( الله أكبر ) أي : كبير لا يدانيه أحد في كبريائه ، وكقول الشاعر :
لعمرك ما أدري ، وإني لأوجل على أينا تغدو المنية أول
فمعنى لأوجل أي : وجل . وقال الفرزدق .
إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز ، وأطول
أي : عزيزة طويلة ، وقد قيل فيه : إنه أراد أعز وأطول من دعائم بيوت
العرب . وقال آخر :
تمنى رجال أن أموت ، وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد
أي : بواحد هذا قول أهل اللغة والثاني : إنه إنما قال ( أهون ) لما تقرر في
العقول أن إعادة الشئ أهون من ابتدائه . ومعنى ( أهون ) أيسر وأسهل ، وهم كانوا
مقرين بالابتداء . فكأنه قال لهم : كيف تقرون بما هو أصعب عندكم ، وتنكرون ما
هو أهون عندكم ؟ الثالث : إن الهاء في ( عليه ) يعود إلى الخلق ، وهو المخلوق أي :
والإعادة على المخلوق أهون من النشأة الأولى ، لأنه إنما يقال له في الإعادة كن
فيكون ، وفي النشأة الأولى كان نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة ، ثم عظاما ، ثم كسيت
العظام لحما ، ثم نفخ فيه الروح . فهذا على المخلوق أصعب ، والإنشاء يكون أهون
عليه ، وهذا قول النحويين ، ومثله يروى عن ابن عباس قال : وهو أهون على
المخلوق ، لأنه يقول له يوم القيامة : كن فيكون . وأما ما يروى عن مجاهد أنه قال :
الانشاء أهون عليه من الابتداء ، فقوله مرغوب عنه ، لأنه تعالى لا يكون عليه شئ
أهون من شئ .
( وله المثل الأعلى ) أي : وله الصفات العليا ( في السماوات والأرض ) وهي
أنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له ، لأنها دائمة يصفه بها الثاني كما يصفه بها
الأول ، عن قتادة . وقيل : هي أنه ليس كمثله شئ ، عن ابن عباس . وقيل : هي
جميع ما يختص به ، عز اسمه ، من الصفات العلى التي لا يشاركه فيها سواه ،
والأسماء الحسنى التي تفيد التعظيم كالقاهر ، والإله . ( وهو العزيز ) في ملكه
( الحكيم ) في خلقه . ثم احتج سبحانه على عبدة الأوثان فقال : ( ضرب لكم ) أيها
تفسير مجمع البيان — صفحة 57
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٥٧