وفي هذا بطلان مذهب أهل الجبر في أن الله أراد إضلالهم ، ولو كان كما قالوه ،
لكان ذلك أضر عليهم ، وأنكر من إرادة الشيطان ذلك .
( هذه جهنم التي كنتم توعدون ) بها في دار التكليف ، حاضرة لكم تشاهدونها
( اصلوها اليوم ) أي : إلزموا العذاب بها . وأصل ، الصلاء : اللزوم ، ومنه المصلي
الذي يجئ في أثر السابق للزومه أثره . وقيل : معناه صيروا صلاها أي : وقودها ،
عن أبي مسلم ( بما كنتم تكفرون ) جزاء لكم على كفركم بالله ، وتكذيبكم أنبياءه .
( اليوم نختم على أفواههم ) هذا حقيقة الختم ، فتوضع على أفواه الكفار يوم
القيامة ، فلا يقدرون على الكلام والنطق ( وتكلمنا أيديهم ) بما عملوا ( وتشهد
أرجلهم بما كانوا يكسبون ) أي : نستنطق الأعضاء التي كانت لا تنطق في الدنيا
لتشهد عليهم ، ونختم على أفواههم التي عهد منها النطق .
واختلف في كيفية شهادة الجوارح على وجوه أحدها : إن الله تعالى يخلقها
خلقة يمكنها أن تتكلم وتنطق وتعترف بذنوبها وثانيها . إن الله تعالى يجعل فيها
كلاما ، وإنما نسب الكلام إليها ، لأنه لا يظهر إلا من جهتها وثالثها : إن معنى
شهادتها وكلامها أن الله تعالى يجعل فيها من الآيات ما يدل على أن أصحابها عصوا
الله بها ، فسمى ذلك شهادة منها ، كما يقال : عيناك تشهدان بسهرك . وقد ذكرنا
أمثال ذلك فيما سلف .
( ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون
( 66 ) ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا
يرجعون ( 67 ) ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون ( 68 ) وما علمنه
الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرءان مبين ( 69 ) لينذر من كان حيا ويحق
القول على الكافرين ( 70 ) ) .
القراءة : قرأ أبو بكر وحده : ( مكاناتهم ) على الجمع . والباقون على
التوحيد ، وقد تقدم ذكر ذلك . وقرأ عاصم وحمزة وسهل : ننكسه بضم النون
الأولى ، وفتح الثانية ، وكسر الكاف ، وتشديدها . وقرأ الباقون بضم الكاف ،
تفسير مجمع البيان — صفحة 285
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٨٥