فإن قلت : كيف قال ( يا ويلتا ) وهذا اللفظ للواحد ، وهم جماعة ؟ فالقول :
إنه يكون على أن كل واحد منهم قال : يا ويلتا من بعثنا من مرقدنا ، ونحوه قوله :
( فاجلدوهم ثمانين جلدة ) أي : فاجلدوا كل واحد منهم . ومثله ما حكاه أبو زيد من
قولهم : أتينا الأمير فكسانا كلنا حلة ، وأعطانا كلنا مائة أي : كسا كل واحد منا حلة ،
وأعطى كل واحد منا مائة . وأما ( هبنا ) ، فيمكن أن يكون هب لغة في أهب ،
ويمكن أن يكون على معنى هب بنا أي : أيقظنا . ثم حذف حرف الجر فوصل
الفعل .
اللغة : قال أبو عبيدة : الصور جمع صورة ، مثل بسرة وبسر ، وهو مشتق من
صاره يصوره صورا : إذا أماله . فالصورة تميل إلى مثلها بالمشاهدة . والجدث :
القبر ، وجمعه الأجداث ، وهذه لغة أهل العالية . ويقول أهل السافلة بالفاء جدف .
والنسول : الإسراع في الخروج ، يقال : نسل ينسل وينسل . قال امرؤ القيس .
وإن تك قد ساءتك مني خليقة فسلي ثيابي من ثيابك تنسل ( 1 )
وقال آخر .
عسلان الذئب أمسى قاربا برد الليل عليه فنسل ( 1 )
الاعراب : ( هذا ما وعد الرحمن ) : مبتدأ وخبر ، ويكون ( من بعثنا من
مرقدنا ) كلاما تاما يوقف عليه . ويجوز أن يكون هذا من نعت ( مرقدنا ) أي : مرقدنا
الذي كنا راقدين فيه ، فيكون الوقف على ( مرقدنا هذا ) ، ويكون ( ما وعد
الرحمن ) خبر مبتدأ محذوف ، أو مبتدأ محذوف الخبر على تقدير : هذا ما وعد
الرحمن ، أو حق ما وعد الرحمن . ( سلام ) بدل من ( ما ) ، والمعنى لهم ما يتمنون
لهم سلام . و ( قولا ) : منصوب على أنه مصدر فعل محذوف أي : يقوله الله قولا .
المعنى : ثم أخبر سبحانه عن النفخة الثانية ، وما يلقونه فيها إذا بعثوا بعد
الموت ، فقال : ( ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث ) وهي القبور ( إلى ربهم )
أي : إلى الموضع الذي يحكم الله فيه ، لا حكم لغيره هناك ( ينسلون ) أي :
هامش
( 1 ) هذا بيت من المعلقة ، وقد مر ، وكذا البيت الآتي .
( 2 ) قائله لبيد ، وقيل : هو للنابغة الجعدي ، وعسل الذئب : مضى مسرعا ، وأضطرب في عدوه ،
وهز رأسه .