القيامة ( يرجع بعضهم إلى بعض القول ) أي : يرد بعضهم إلى بعض القول في
الجدال .
( يقول الذين استضعفوا ) وهم الأتباع ( للذين استكبروا ) وهم الأشراف
والقادة ( لولا أنتم لكنا مؤمنين ) مصدقين بتوحيد الله أي : أنتم منعتمونا من الإيمان ،
والمعنى : لولا دعاؤكم إيانا إلى الكفر ، لامنا بالله في الدنيا ( قال الذين استكبروا
للذين استضعفوا ) أي : قال المتبوعون للأتباع على طريق الانكار ( أنحن صددناكم
عن الهدى بعد إذ جاءكم ) أي : لم نصدكم نحن عن قبول الهدى ( بل كنتم
مجرمين ) أي . بل أنتم كفرتم ، ولم نحملكم على الكفر قهرا ، فكل واحد من
الفريقين ورك الذنب ( 1 ) على صاحبه ، واتهمه ، ولم يضف واحد منهم الذنب إلى الله
تعالى .
( وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا ) يعني الأتباع للمتبوعين ( بل مكر
الليل والنهار ) أي : مكركم في الليل والنهار صدنا عن قبول الهدى ( إذ تأمروننا أن
نكفر بالله ونجعل له أندادا ) أي : حين أمرتمونا أن نجحد وحدانية الله تعالى ،
ودعوتمونا إلى أن نجعل له شركاء في العبادة ( وأسروا الندامة ) فيه وجهان أحدهما :
إن معناه أظهروا الندامة والأخر : إن المعنى أخفوها . وقد فسر الإسرار في بيت
امرئ القيس :
تجاوزت أحراسا إليها ، ومعشرا علي حراصا ، لو يسرون مقتلي ( 2 )
على الوجهين . فمن قال بالأول قال . معناه أظهر المتبوعون الندامة على
الإضلال ، وأظهر الأتباع الندامة على الضلال . وقيل : معناه أقبل بعضهم على بعض
يلومه ، ويظهر ندمه . ومن قال بالثاني قال : معناه أخفوا الندامة في أنفسهم خوف
الفضيحة . وقيل : معناه إن الرؤساء أخفوا الندامة عن الأتباع ( لما رأوا العذاب )
أي : حين رأوا نزول العذاب بهم .
هامش
( 1 ) ورك الذنب عليه : حمله .
( 2 ) البيت من المعلقات . وأحراس : جمع حارس . يقول : تجاوزت في ذهابي إلى المحبوبة أهوالا
كثيرة ، قوما يحرسونها وقوما حراصا على قتلي ، لو قدروا عليه في خفية ، لأنهم لا يجرؤون على
قتلي جهارا ، أو حراصا على قتلي لو أمكنهم قتالي ظاهرا ، لأن الإسرار من الأضداد .