قال : لأي شئ أنت ؟ قال : للخراب . فعلم أنه سيموت ، فقال : اللهم عم على
الجن موتي ، ليعلم الإنس أنهم لا يعلمون الغيب . وكان قد بقي من بنائه سنة ، وقال
لأهله . لا تخبروا الجن بموتي حتى يفرغوا من بنائه . ودخل محرابه ، وقام متكئا على
عصاه ، فمات ، وبقي قائما سنة . وتم البناء . ثم سلط الله على منسأته الأرضة حتى
أكلتها ، فخر ميتا ، فعرف الجن موته وكانوا يحسبونه حيا ، لما كانوا يشاهدون من
طول قيامه قبل ذلك . وقيل : إن في إماتته قائما ، وبقائه كذلك ، أغراضا منها إتمام
البناء . ومنها أن يعلم الإنس أن الجن لا تعلم الغيب ، وأنهم في ادعاء ذلك كاذبون
ومنها : أن يعلم أن من حضر أجله فلا يتأخر إذ لم يؤخر سليمان مع جلالته . وروي
أنه أطلعه الله سبحانه على حضور وفاته ، فاغتسل ، وتحنط ، وتكفن ، والجن في
عملهم .
وروى أبو بصير ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : إن سليمان أمر الشياطين فعملوا له
قبة من قوارير ، فبينا هو قائم متكئ على عصاه في القبة ، ينظر إلى الجن كيف
يعملون ، وهم ينظرون إليه ، ولا يصلون إليه ، إذا رجل معه في القبة ، فقال : من
أنت ؟ فقال . أنا الذي لا أقبل الرشى ، ولا أهاب الملوك ! فقبضه وهو قائم متكئ
على عصاه في القبة . قال : فمكثوا سنة يعملون له ، حتى بعث الله الأرضة ، فأكلت
منسأته . وفي حديث آخر عن أبي عبد الله عليه السلام قال : فكان آصف يدبر أمره حتى
دبت الأرضة .
( فلما خر ) أي : سقط سليمان ميتا ( تبينت الجن ) أي : ظهرت الجن
فانكشف للناس . ( أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ) معناه :
في الأعمال الشاقة . وإنما سماها عذابا ، للمشاق التي فيها ، لا أنه كان عذابا ،
فليس ذلك إلا أن يكون عبادة له ، أو بمنزلة ما يعوضون عليه أي : ما عملوا مسخرين
لسليمان وهو ميت ، وهم يظنون أنه حي . وقيل . إن المعنى تبينت عامة الجن
وضعفتهم ، أن رؤساءهم لا يعلمون الغيب ، لأنهم كانوا يوهمونهم أنهم يعلمون
الغيب . وقيل : معناه تبينت الإنس أن الجن كانوا لا يعلمون الغيب ، فإنهم كانوا
يوهمون الإنس إنا نعلم الغيب . وإنما قال : ( تبينت الجن ) كما يقول من يناظر
غيره ، ويلزمه الحجة . هل تبين لك أنك على باطل . وعلى هذا تدل قراءة من قرأ
( تبينت الإنس ) وقد مضى بيانه .
تفسير مجمع البيان — صفحة 205
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٠٥