ظاهرا وباطنا ( وليعلمن المنافقين ) فيجازيهم بحسب أعمالهم . قال الجبائي : معناه
وليميزن الله المؤمن من المنافق ، فوضع العلم موضع التمييز توسعا ، وقد مر بيانه .
وفي هذه الآية تهديد للمنافقين بما هو معلوم من حالهم التي استهزؤا بها ، وتوهموا
أنهم قد نجوا من ضررها بإخفائها ، فبين أنها ظاهرة عند من يملك الجزاء عليها ، وأنه
يحل الفضيحة العظمى بها . ( وقال الذين كفروا ) نعم الله ، وجحدوها ( للذين
آمنوا ) أي : صدقوا بتوحيده وصدق رسله ( اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ) أي :
ونحن نحمل آثامكم عنكم إن قلتم إن لكم في اتباع ديننا إثما ، ويعنون بذلك أنه لا
إثم عليكم باتباع ديننا ، ولا يكون بعث ، ولا نشور ، فلا يلزمنا شئ مما ضمنا .
والمأمور في قوله ( ولنحمل ) : هو المتكلم به نفسه في مخرج اللفظ ، والمراد به
إلزام النفس هذا المعنى ، كما يلزم الشئ بالأمر . وفيه معنى الجزاء ، وتقديره : إن
تتبعوا ديننا حملنا خطاياكم عنكم .
ثم قال سبحانه : ( وما هم بحاملين من خطاياهم من شئ ) أي : لا يمكنهم
حمل ذنوبهم عنهم يوم القيامة ، فإن الله سبحانه عدل ، لا يعذب أحدا بذنب غيره ،
فلا يصح إذا أن يحتمل أحد ذنب غيره . وهذا مثل قوله ( ولا تزر وازرة وزر أخرى
وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) . ولا يجري هذا مجرى تحمل الدية عن الغير ، لأن
الغرض في الدية أداء المال عن نفس المقتول . فلا فرق بين أن يؤديه زيد عنه ، وبين
أن يؤديه عمرو فإنه بمنزلة قضاء الدين . ( إنهم لكاذبون ) فيما ضمنوا من حمل
خطاياهم ( وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ) يعني أنهم يحملون خطاياهم
وأوزارهم في أنفسهم التي لم يعملوها بغيرهم ، ويحملون الخطايا التي ظلموا بها
غيرهم . وقيل : معناه يحملون عذاب ضلالهم ، وعذاب إضلالهم غيرهم ، ودعائهم
لهم إلى الكفر . وهذا كقوله : ( من سن سنة سيئة ) الخبر . وهذا كقوله : ( ليحملوا
أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ) .
( وليسئلن يوم القيامة عما كانوا يفترون ) ومعناه : إنهم يسئلون سؤال تعنيف
وتوبيخ ، وتبكيت وتقريع ، لا سؤال استعلام واستخبار . ( ولقد أرسلنا نوحا إلى
قومه ) يدعوهم إلى توحيد الله ، عز وجل . ( فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما )
فلم يجيبوه ، وكفروا به . ( فأخذهم الطوفان ) جزاء على كفرهم فهلكوا ( وهم
ظالمون ) لأنفسهم بما فعلوه من الشرك والعصيان . ( فأنجيناه وأصحاب السفينة )
تفسير مجمع البيان — صفحة 13
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٣