تجب بأعلى مراتب النعمة . ولا يقدر على ذلك غير الله تعالى ، فلا يستحق العبادة
سواه .
( فابتغوا عند الله الرزق ) أي : اطلبوا الرزق من عنده دون من سواه ( واعبدوه
واشكروا له ) على ما أنعم به عليكم من أصول النعم ، من الحياة والرزق وغيرهما .
( إليه ترجعون ) أي : إلى حكمه تصيرون يوم القيامة ، فيجازيكم على قدر
أعمالكم . ثم خاطب العرب فقال : ( وإن تكذبوا ) أي : وإن تكذبوا
محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ( فقد كذب أمم من قبلكم ) أنبياءهم الذين بعثوا إليهم ( وما على
الرسول إلا البلاغ المبين ) أي : ليس عليه إلا التبليغ الظاهر البين ، وليس عليه حمل
من أرسل إليه على الإيمان . ( أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده ) يعني
كفار مكة الذين أنكروا البعث ، وأقروا بأن الله هو الخالق ، فقال : أو لم يتفكروا
فيعلموا كيف أبدأ الله الخلق بعد العدم ، ثم يعيدهم ثانيا إذا أعدمهم بعد وجودهم .
قال ابن عباس : يريد الخلق الأول ، والخلق الآخر .
( إن ذلك على الله يسير ) غير متعذر ، لأن من قدر على الانشاء والابتداء فهو
على الإعادة أقدر . ثم خاطب محمدا صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ( قل ) لهؤلاء الكفار ( سيروا في
الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ) وتفكروا في آثار من كان فيها قبلكم ، وإلى أي
شئ صار أمرهم لتعتبروا بذلك ، ويؤديكم ذلك إلى العلم بربكم . وقيل : معناه
انظروا وابحثوا هل تجدون خالقا غير الله . فإذا علموا أنه لا خالق ابتداء إلا الله ،
لزمتهم الحجة في الإعادة ، وهو قوله ( ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ) أي : ثم الله
الذي خلقها وأنشأ خلقها ابتداء ينشئها نشأة ثانية . ومعنى الانشاء : الإيجاد من غير
سبب . ( إن الله ) تعالى ( على كل شئ قدير ) أي : إن الله على الانشاء ،
والإفناء ، والإعادة ، وعلى كل شئ يشاؤه ، قدير .
( يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون ( 21 ) وما أنتم
بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولى ولا
نصير ( 22 ) والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي
وأولئك لهم عذاب أليم ( 23 ) فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه
تفسير مجمع البيان — صفحة 16
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٦