ربكم الرحمن فاتبعوني ) أي : اتبعوني فيما أدعوكم إليه ( وأطيعوا أمري ) في عبادة
الله ، ولا تتبعوا السامري ، ولا تطيعوا أمره في عبادة العجل ( قالوا لن نبرح عليه
عاكفين ) معناه : لا نزال مقيمين على عبادته ( حتى يرجع إلينا موسى ) فننظر أيعبده
كما عبدناه ، أم لا . فاعتزلهم هارون في اثني عشر ألفا . فلما رجع موسى عليه السلام ،
وهو ممتلئ غيظا منهم ، ومن عبادتهم العجل ، وسمع الصياح والجلبة ، إذ كانوا
يرقصون حول العجل ، ويضربون الدفوف والمزامير ، واستقبله هارون . فألقى
الألواح ، وأخذ يعاتب هارون .
( قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعني ) أي : هلا تتبعني بمن أقام
على إيمانه ، عن ابن عباس . وقيل : معناه هلا قاتلتهم إذ علمت أني لو كنت فيهم
لقاتلتهم . وقيل : هلا لحقت بي حين رأيتهم ضلوا بعبادة العجل قبل استحكام
الأمر . والأصل أن لا مزيدة ، وتقديره : ما منعك أن تتبعني ( أفعصيت أمري ) فيما
أمرتك به يريد قوله : ( أخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ) فلما أقام
معهم ، ولم يبالغ في منعهم نسبه إلى عصيانه . وقيل : إن صورته صورة الاستفهام ،
والمراد به التقرير ، لأن موسى عليه السلام كان يعلم أن هارون لا يعصيه في أمره .
( سؤال ) : متى قيل إن الظاهر يقتضي أن موسى كان أمره باللحاق به ، فعصى
هارون أمره ؟ قلنا : يجوز أن يكون أمره بذلك بشرط المصلحة ، ورأى هارون الإقامة
أصلح ، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب . ويجوز أن يكون لم يأمره بذلك ، وإنما
أمره بمجاهدتهم ، وزجرهم عن القبيح ، وإنما عاتبه مع أن اللوم توجه على القوم لأن
أمره بمفارقتهم لوم عليهم . وقيل : إن موقع الذنب ممن عظمت رتبته أعظم . فلما
كان هارون أجل من خلفه موسى ، خصه باللائمة . وهذا إنما يتجه إذا ثبت لهارون
ذنب . فأما وهو نقي الجيب من جميع الذنوب ، برئ الساحة من العيوب ، فالقول
الأول هو الوجه .
( قال ) هارون ( يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ) قد فسرناه في سورة
الأعراف . وقيل : كانت العادة جارية قي القبض عليهما في ذلك الزمان ، كما أن
العادة في زماننا هذا القبض على اليد والمعانقة ، وذلك مما تختلف العادة فيه بالأزمنة
والأمكنة . وقيل : إنه أجراه مجرى نفسه إذا غضب في القبض على لحيته ، لأنه لم
يكن يتهم عليه ، كما لا يتهم على نفسه . ثم بين عليه السلام عذره في مقامه معهم ،
تفسير مجمع البيان — صفحة 50
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٥٠