و ( الدرجات ) : مرتفع بالظرف بلا خلاف بينهم ، لأن الظرف جرى خبرا على
المبتدأ ، وهو ( أولئك ) واعتمد عليه ، فيرتفع ما بعده .
المعنى : ( فأوجس في نفسه خيفة موسى ) معناه : فأحس موسى ، ووجد في
نفسه ما يجده الخائف . ويقال : أوجس القلب فزعا أي : أضمر . والسبب في ذلك
أنه خاف أن يلتبس على الناس أمرهم ، فيتوهموا أنهم فعلوا مثل فعله ، ويظنوا
المساواة ، فيشكوا ولا يتبعونه ، عن الجبائي . وقيل . إنه خوف الطباع إذا رأى
الانسان أمرا فظيعا ، فإنه يحذره ويخافه في أول وهلة . وقيل : إنه خاف أن يتفرق
الناس قبل إلقائه العصا ، وقبل أن يعلموا ببطلان السحرة ، فيبقوا في شبهة . وقيل :
إنه خاف لأنه لم يدر أن العصا إذا انقلبت حية هل تظهر المزية ، لأنه لا يعلم أنها
تتلقفها ، فكان ذلك موضع خوف ، لأنها لو انقلبت حية ، ولم تتلقف ما يأفكون ،
ربما ادعوا المساواة لا سيما والأهواء معهم ، والدولة لهم . فلما تلقفت زالت
الشبهة ، وتحقق عند الجميع صحة أمر موسى وبطلان سحره .
( قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى ) عليهم بالظفر والغلبة ( وألق ما في يمينك )
يعني العصاء ( تلقف ما صنعوا ) أي : تبتلع ما صنعوا فيه من الحبال والعصي ، لأن
الحبال والعصي أجسام ليست من صنعهم ، قالوا : ولما ألقى عصاه صارت حية ،
وطافت حول الصفوف حتى رآها الناس كلهم ، ثم قصدت الحبال والعصي فابتلعتها
كلها على كثرتها ، ثم أخذها موسى فعادت عصا كما كانت ( إنما صنعوا كيد ساحر )
أي . إن الذي صنعوه ، أو إن صنيعهم كيد ساحر أي : مكره وحيلته ( ولا يفلح
الساحر ) أي : لا يظفر الساحر ببغيته إذ لا حقيقة للسحر ( حيث أتى ) أي . حيث
كان من الأرض . وقيل : لا يفوز الساحر حيث أتى بسحره لأن الحق يبطله .
( فألقي السحرة سجدا ) ها هنا محذوف وهو فألقى عصاه ، وتلقف ما صنعوا ،
فألقي السحرة سجدا أي : سجدوا و ( قالوا آمنا برب هارون وموسى ) أضافوه
سبحانه إليهما لدعائهما إليه ، وكونهما رسولين له ( قال ) فرعون للسحرة . ( آمنتم
له ) أي : لموسى . والمعنى قد صدقتم له ( قبل أن آذن لكم ) أي : من غير إذني ،
لأنه بلغ من جهله أنه لا يعتقد دين إلا بإذنه . والفرق بين الإذن والأمر . أن في الأمر
دلالة على إرادة الآمر الفعل المأمور به ، وليس في الإذن ذلك . وقوله . ( فإذا حللتم
فاصطادوا ) إذن ، وقوله ( أقيموا الصلاة ) أمر .
تفسير مجمع البيان — صفحة 39
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٩