سبحانه عباده بما اعتادوه في مخاطباتهم ، وكانوا في الجاهلية إذا ذبحوا الهدي ،
استقبلوا الكعبة بالدماء ، فنضحوها حول البيت قربة إلى الله . وقيل : معناه لن تبلغوا
رضا الله بذلك ، وإنما تبلغونه بالتقوى .
( كذلك سخرها لكم ) تقدم تفسيره ( لتكبروا الله على ما هداكم ) أي : على
ما بين لكم وأرشدكم لمعالم دينه ، ومناسك حجه . وقيل : هو أن يقول الله أكبر على
ما هدانا ( وبشر المحسنين ) أي : الموحدين ، عن ابن عباس . وقيل : الذين
يعملون أعمالا حسنة ، ولا يسيئون إلى غيرهم . ثم بين سبحانه دفعه عن المؤمنين
بشارة لهم بالنصر فقال : ( إن الله يدافع عن الذين آمنوا ) غائلة المشركين بأن يمنعهم
منهم ، وينصرهم عليهم ( إن الله لا يحب كل خوان كفور ) وهم الذين خانوا الله بأن
جعلوا معه شريكا ، وكفروا نعمه ، عن ابن عباس . وقيل : من ذكر اسم غير الله ،
وتقرب إلى الأصنام بذبيحته ، فهو خوان كفور ، عن الزجاج .
ثم بين سبحانه إذنه لهم في قتال الكفار بعد تقدم بشارتهم بالنصرة فقال : ( أذن
للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ) أي : بسبب أنهم ظلموا ، وقد سبق معناه في الحجة .
وكان المشركون يؤذون المسلمين ، ولا يزال يجئ مشجوج ومضروب إلى رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ويشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فيقول لهم ، صلوات الله عليه
وآله : اصبروا فإني لم أؤمر بالقتال ، حتى هاجر فأنزل الله عليه هذه الآية بالمدينة ،
وهي أول آية نزلت في القتال . وفي الآية محذوف وتقديره أذن للمؤمنين أن يقاتلوا أو
بالقتال من أجل أنهم ظلموا بأن أخرجوا من ديارهم ، وقصدوا بالإيذاء والإهانة .
( وإن الله على نصرهم لقدير ) وهذا وعد لهم بالنصر معناه أنه سينصرهم . ثم
بين سبحانه حالهم فقال : ( الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا
الله ) يحتمل معناه أن يكون أراد أخرجوا إلى المدينة فتكون الآية مدنية ، ويحتمل إلى
الحبشة ، فتكون الآية مكية . وذلك بأنهم تعرضوا لهم بالأذى حتى اضطروا إلى
الخروج . وقوله ( بغير حق ) معناه : من غير أن استحقوا ذلك ، عن الجبائي أي :
لم يخرجوا من ديارهم إلا لقولهم : ربنا الله وحده . وقال أبو جعفر عليه السلام : نزلت في
المهاجرين وجرت في آل محمد عليهم السلام ، الذين أخرجوا من ديارهم ، وأخيفوا ( ولولا
دفع الله الناس بعضهم ببعض ) قد تقدم الكلام في هذا .
( لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد ) أي : صوامع في أيام شريعة
تفسير مجمع البيان — صفحة 156
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٥٦